صُمم جهاز التلفزيون القديم ليكون أقل شبهًا بالشاشة وأكثر شبهًا بقطعة من أثاث المنزل. وغالبًا ما تلاحظ ذلك من النظرة الأولى: هيكل مكسو بقشرة خشبية أو بملمس يشبه الخشب، ولوحة سماعة مغطاة بالقماش، ومقابض كبيرة، وأرجل أو قاعدة مدمجة، والطريقة التي يستقر بها كله على ارتفاع يقارب ارتفاع الخزانة بدلًا من أن يختفي داخل الجدار.
يبدو ذلك اليوم وكأنه معكوس للمنطق، لأننا نفكر في التلفزيون بوصفه سطحًا مسطحًا للصورة. لكن إذا كنت تفرغ غرفة، أو حتى تتوقف قليلًا أمام جهاز قديم ما زال قائمًا في المكان الذي تركه فيه أحدهم، فإن هذا الشيء يفضح نفسه. فهو لا يتصرف بصريًا كمستطيل أسود حديث. بل يتصرف كقطعة أثاث صادف أنها تستقبل إشارات البث.
قراءة مقترحة
لنبدأ بالصندوق نفسه. فالتلفزيونات المنزلية الأقدم، ولا سيما من الأربعينيات حتى الستينيات واستمرارًا إلى السبعينيات في كثير من البيوت، كانت تُصنع غالبًا داخل خزائن خشبية أو هياكل بلمسة نهائية مقنعة تشبه الخشب، لأن المصنّعين كانوا يطرحون آلة جديدة في غرف معيشة امتلأت أصلًا بخزائن جانبية، وخزائن راديو، وطاولات صغيرة. ولم يكن المقصود حماية الأجزاء الداخلية فحسب، بل كسب القبول المنزلي أيضًا.
وقد أشار متحف Victoria and Albert، في كتاباته عن تصميم الإلكترونيات المنزلية بعد الحرب، إلى أن الراديو والتلفزيون كانا يُنسَّقان في كثير من الأحيان بما يلائم الأثاث القائم والذوق السائد في الديكور الداخلي. وهذه هي الصيغة المباشرة لما تلتقطه عيناك أصلًا. فجهازٌ مزوّد بقشرة خشبية، وحواف تزيينية، وقماش للسماعة، كان المقصود منه أن ينسجم مع الأشياء الخشبية الأخرى القريبة منه، لا أن يصطدم بها بصريًا.
ولم تتبع كل أجهزة التلفزيون في كل عقد هذا المنطق بالدرجة نفسها. فالأجهزة المحمولة، والأرخص ثمنًا، والنماذج البلاستيكية اللاحقة، خرجت عن هذا النهج. لكن فكرة الأثاث كانت الأقوى في الأجهزة المنزلية الأقدم، وظلت حاضرة بدرجات متفاوتة حتى بعد أن سيطر البلاستيك والأشكال الأنحف.
والتفاصيل المادية تجعل منطق الأثاث هذا سهل الالتقاط.
ليست الشاشة سوى جزء واحد من الواجهة الأمامية، إذ كثيرًا ما تشغل مساحة السماعة المدمجة حيزًا ظاهرًا إلى جوارها أو أسفلها.
تبرز عناصر التحكم في الواجهة الأمامية على هيئة مقابض تُمسك باليد، بدلًا من أن تختفي في جهاز تحكم عن بعد أو على حافة ملساء.
تقف بعض الأجهزة على أرجل مخروطية قصيرة، بينما يستقر بعضها الآخر على قاعدة مركزية أو عربة صُممت خصيصًا له عند مستوى نظر الجالس.
للجوانب عمق حقيقي، لذلك يصبح ظهر الجهاز، والمسافة الفاصلة عن الجدار، ومسار السلك، كلها جزءًا من تحديد المكان الذي يمكن أن يستقر فيه.
وحتى مسار السلك يروي القصة. فالسلك يمتد من الخلف لأن هذا كان شيئًا متوقعًا منه أن يبقى في مكانه، مثل مصباح أو طاولة جانبية، لا شيئًا متوقعًا منه أن يختفي داخل بنية المكان. كما أن ارتفاع المشاهدة مهم. فعادة ما توضع هذه الأجهزة على مستوى منخفض يكاد يلتقي مع نظرة الشخص الجالس، لا مرتفعًا مثل الشاشات اللاحقة المعلقة على الجدران فوق رف الموقد.
وهنا اختبار سريع لنفسك. تخيل الجهاز القديم الذي في بالك. هل ارتفاعه يقارب ارتفاع خزانة صغيرة؟ هل فيه قشرة خشبية، أو عروق خشب صناعية، أو قماش سماعة، أو حواف فضية، أو مقابض دوّارة، أو أرجل قصيرة، أو قاعدة تمنحه هيئة مستقرة؟ وهل تبدو الغرفة مرتبة حوله بدلًا من أن تفسح له مكانًا فحسب؟ إذا كانت الإجابة نعم، فأنت ترى منطق الأثاث هذا ماثلًا أمامك.
حين دخل التلفزيون إلى البيوت العادية، لم يكن بعدُ شيئًا محايدًا. كان حضورًا كبيرًا ومكلفًا ومعقدًا كهربائيًا، وكان عليه أن يكسب لنفسه مكانًا في الغرفة التي كانت تدور فيها حياة الأسرة أصلًا. ومنحُه ملامح الأثاث ساعد على تهدئة هذا الدخول. فالخزانة أوحت بالثبات والوقار والانسجام.
وقد استمد هذا الخيار التصميمي عناصره مباشرة من أثاث البيت القائم، وشكّل الطريقة التي سيُستقبل بها الجهاز.
آلة كبيرة ومكلفة ومعقدة كهربائيًا تدخل غرفة كانت منظمة أصلًا من أجل حياة الأسرة.
غرض منزلي شبيه بالكونسول، يحمل سمات الخزانة، وتناسقًا في اللمسات النهائية، وسماعات مغطاة بالقماش، وانسجامًا بصريًا إلى جوار قطع الأثاث الأخرى.
وقد أثّر هذا الخيار في السلوك. فالتلفزيون الكونسول أو الخزائني لم يكن يدعوك إلى حمله من غرفة إلى أخرى. بل كان يفرض لنفسه موضعًا. وما إن يفرض لنفسه موضعًا حتى تستقر الكراسي، والأرائك، وطاولات الرماد، والمصابيح، والطاولات الجانبية في نسق حوله. لم يدخل التلفزيون الغرفة فحسب، بل ساعد أيضًا على تنظيمها.
وهنا يبدأ الجهاز القديم في شرح الحياة اليومية. فإذا كانت الشاشة صغيرة بمقاييس اليوم لكن الخزانة عريضة، فهذا يعني أن مهمة هذا الشيء لم تكن إيصال الصورة وحده. بل كان عليه أيضًا أن يبدو مناسبًا في الساعات الطويلة التي يظل فيها مطفأً. فالشاشة المسطحة يمكن أن تنطفئ ثم تكاد تختفي. أما التلفزيون الخزائني فكان عليه أن يظل قطعة أثاث مقبولة من الإفطار حتى وقت النوم.
ويعترض بعض الناس هنا قائلين: ربما كانت خيارات التصميم أقل حينها، أو ربما تبدو أجهزة التلفزيون القديمة كالأثاث فقط لأن كل الأشياء القديمة كانت صندوقية الشكل. لكن المصنّعين اتخذوا خيارات بصرية متعمدة تجاوزت مجرد الضخامة. فقد أضافوا حواف تزيينية، ووافقوا اللمسات النهائية مع أنواع الخشب الرائجة، وغلّفوا السماعات بالقماش، وأخفوا الأجزاء التقنية خلف أبواب في بعض النماذج، ومنحوا الأجهزة أسماءً ولغةً تسويقية أقرب إلى عالم الأثاث المنزلي منها إلى معدات الورش.
وكان لذلك أهميته، لأن التكنولوجيا الجديدة في المنزل كثيرًا ما تصل متخفية. فآلات الغسل كانت تُخفى في غرف الخدمات. وأجهزة الستيريو كانت تعيش داخل خزائن. أما أجهزة التلفزيون، فعلى امتداد فترة طويلة، فقد طُلب منها أن تبدو كما لو أنها تنتمي بين الأشياء الموروثة قبل أن يُسمح لها بأن تهيمن على الانتباه.
والآن عُد إلى الغرفة. فالجهاز لا يطفو حرًا مثل شاشة لاحقة. بل هو فوق مقعد أو حامل بارتفاع قطعة أثاث. ثمة فراغ على الجدار فوقه، وفراغ على الأرض تحته، ومساحة كافية خلفه لسلك وظهر عميق. وتقترب منه كما تقترب من خزانة: من الأمام، ويدك تمتد إلى المقبض، وجسدك ينحني قليلًا، وعيناك تهبطان إلى قماش السماعة ولوحة التحكم.
هذا التوقف القصير مهم. فقبل أن تشتعل الصورة حتى، يكون هذا الشيء قد باشر بالفعل أداء وظيفة الأثاث. إنه يشغل الغرفة بالمطالبة الثابتة نفسها التي تشغلها بها خزانة أو طاولة جانبية أو خزانة راديو. فالغرفة لا تستوعب جهازًا فحسب؛ بل تكون قد تكوّنت حول غرض قائم له وزن ولمسة نهائية وحضور.
هنا بالذات ينكشف المنطق القديم على نحو جلي. لم يكن جهاز التلفزيون يجلس في غرفة المعيشة لمجرد أنه لا مكان آخر له. بل إن حجمه ومواده وقاعدته وارتفاعه أسهمت في جعل غرفة المعيشة ذلك النوع من الغرف الذي يمكن أن تصبح فيه مشاهدة التلفزيون عادة عائلية.
إذا كنت ترتب غرف أحد والديك أو أجدادك، فقد يبدو لك جهاز CRT قديم للوهلة الأولى مجرد معدات متوقفة عن العمل تنتظر أن تُنقل إلى الخارج. تمهل دقيقة أخرى.
ابحث عن درجات الخشب، أو القشرة الخشبية، أو ملمس يشبه الخشب ويجعل الجهاز ينسجم مع الأثاث القريب.
لاحظ ما إذا كانت مساحة السماعة وعناصر التحكم تحظى بالأهمية البصرية نفسها التي تحظى بها الشاشة ذاتها.
انظر إلى المكان الذي كان الشخص الجالس سيوجه إليه نظره، وما إذا كان الجهاز موضوعًا على ارتفاع خزانة بدلًا من أن يكون عرضًا طافيًا.
هذه التفاصيل ليست بقايا زخرفية. إنها أدلة على مرحلة كان التلفزيون فيها لا يزال مضطرًا إلى تقديم نفسه بوصفه غرضًا منزليًا محترمًا، لا مركز قيادة مكشوفًا. وما إن صارت الشاشات أكثر تسطحًا، وأشد قتامة، وأسهل تعليقًا، حتى لم يعد هذا التنكر ضروريًا بالقدر نفسه. عندها صار بوسع الشيء أخيرًا أن يعترف بما هو عليه.
إن جهاز CRT عتيقًا في غرفة قديمة لا يريك في الأساس إلكترونيات متقادمة؛ بل يريك المرحلة التي كان على التكنولوجيا فيها أن تبدو كالأثاث قبل أن يُسمح لها بأن تصبح جدار الغرفة.