العراق مهد الحضارات وذاكرة البشر
يتوه المرء حين يقرّر التعمّق في تاريخ دولة العراق لما مرت به من مراحل عديدة ومختلفة، ولا يمكن أن تعطي العراق حقها أو أن تحصي تراثها الذي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالوجود البشري. اليوم نقتطع جزءًا بسيطًا من ذاكرة العراق التاريخية، سنتحدث عن مدينة سامرّاء التي كانت يومًا ما عاصمة الدولة العباسية وحاضرة العلم. اختلفت المصادر على معنى اسم المدينة واشتقاقه اللغوي، إلا أن مكانتها التاريخية وعراقتها ما زالت تثير خيال علماء التاريخ والآثار لما كانت لها من هيبة وسطوة خاصةً حينما كانت عاصمة الخلافة العباسية التي حكمت الشرق والغرب في وقتٍ ما.
قراءة مقترحة
يقال أن الاسم ذو أصول آرامية، وهي كلمة مقصورة وتكتب وتقرأ سامرا كغيرها من أسماء مدن العراق، ويقال أن اسمها قد تم تحريفه من "سورمارتا" أحد الأسماء القديمة للعراق.
ويقال أيضًا أن كلمة "سامرا" في اللغة الآرامية يقصد بها الإرسال وأغلب الظن أنها كانت تطلق على المدينة لأن السفن ترسل منها إلى دجلة أو تصنع فيها السفن لترسل إلى النهر.
"سُرَّ مَنْ رَأَى"، وهو اسم ارتبط بجمال تقسيم المدينة وتخطيطها ومبانيها.
"ساء من رأى"، وهو تحوير يعكس ما آلت إليه المدينة بعد الخراب والصراعات والهجمات.
أما المصادر العربية فتذكر أن أساس أسم المدينة كان "سُرَّ مَنْ رَأَى" وذلك لجمال تقسيمها وتخطيطها ومبانيها لكن فيما بعد بعدما خربت بسبب الصراعات والتناحر على الحكم من جهة والهجمات الخارجية من جهة أخرى حرف اسمها ليصبح "ساء من رأى" بما فيه من دلالة على حال الخراب الذي وصلت إليه المدينة.
125 كم
تقع سامراء إلى الشمال من بغداد بنحو 125 كيلومترًا، ويبلغ عدد سكانها في العصر الراهن قرابة 190 ألف نسمة.
تقع مدينة سامراء إلى الشمال من العاصمة العراقية الحالية بغداد وبينهما مسافة تقرب 125 كيلو متراً ويسكنها في العصر الراهن ما يقارب 190 ألف نسمة.
تأسيس سامرّاء
أسست سامرّاء في فترة حكم الخليفة العباسي المعتصم بالله وبسبب موقعها في وسط العراق وقع عليها الاختيار لتصبح عاصمة الخلافة العباسية بأكملها لكنها لم تستمر طويلًا. تم إعلان سامراء عاصمة للخلافة العباسية عام 836م وظلت تحمل ذلك اللقب لمدة 56 عام من عمر الخلافة العباسية التي دامت لأكثر من خمسة قرون، حيث أن في عام 892م تغيرت العاصمة العباسية لتصبح سامراء بعدها مدينة منسية بعدما دام حكمها على كل أطراف الدولة العباسية لمدة جاوزت الخمسة عقود.
تعتبر مدينة سامراء العاصمة الثانية على مدى تاريخ الدولة العباسية، وأنشئت كما ذكرنا على يد الخليفة المعتصم بالله لتكون العاصمة الثانية للدولة العباسية، حيث تلت بذلك ثلاث عواصم كبرى للخلافة، ويقال أن أول قصر انتقل إليه الخليفة المعتصم حينما تم بناؤه فيها كان يسمى "قصر الرشيد"
يقال أن العاصمة بغداد إبان حكم المعتصم بالله كانت قد ازدادت زحاما خصوصا بدخول الأتراك الذين كانوا يدفعون الناس بسبب ركوبهم للدواب وركضهم بها فصارت الحياة بالنسبة للمعتصم شديدة الصعوبة لذا خرج إلى الشماسية التي كان المأمون يخرج إليها تفريجاً عن نفسه وهناك قرر بناء عاصمة جديدة بعيدة عن بغداد وظل الخليفة المعتصم هناك حتى يتم بناء العاصمة الجديدة.
توزعت سامراء إلى قطاعات رئيسية ضمت القصر، والجند، والدواوين، وسكن الناس، ثم المسجد الجامع والأسواق المحيطة به.
خصصت قطاعات للقصر الخاص بالخليفة، بما يعكس مركزية الحكم في تخطيط المدينة.
ضمت المدينة قطائع مخصصة للجند، إلى جانب دواوين الدولة والكتاب لإدارة شؤون الخلافة.
اشتمل التخطيط على مساكن الناس، ثم المسجد الجامع، وحوله أسواق فصلت بين التجارات على نمط أسواق بغداد.
يذكر "اليعقوبي" أن مدينة سامراء بني فيها ثلاثة قصور عظيمة وهي الجوسق الخاقاني والعمري والوزيري.
يذكر "اليعقوبي" أن المعتصم بالله انتقل إلى العاصمة الجديدة سامراء في عام 223هـ وربما عام 222 هـ فهناك اختلاف على تحديد الشهر الذي انتقل فيه الخليفة.
وبسبب وسع المساحة التي بنيت عليها سامراء يذكر أن الناس توسعوا أيضا في بناء بيوتهم وأسواقهم .
كانت المشكلة الرئيسية في سامراء هي المياه بسبب موقعها الجغرافي ومياه آبارها المالحة، مما اضطر السكان إلى حمل المياه العذبة على الدواب من نهر دجلة إلى العاصمة الجديدة كان صعباً وشاقاً، ولكن بالرغم من ذلك كان لابد منه بسبب ملوحة آبارها، ولأن ما فيها من آبار ومياه جوفية كانت مالحة غير قابلة للشرب، ولهذا تم التوسع في المدينة باتجاه الغرب بهدف الاقتراب أكثر من نهر دجلة ومياهه العذبة.
تتابعت نهاية دور سامراء السياسي عبر سنوات من التراخي والصراع، ثم الاغتيال، ثم العودة إلى بغداد.
ظلت سامراء مسيطرة في خلافة المعتصم بالله، لكن قبضتها أخذت تتراخى شيئًا فشيئًا مع مرور السنوات.
بلغت الأزمة ذروتها في فترة المتوكل على الله، وانتهت سيطرة سامراء باغتيال الخليفة المتوكل وتنصيب المنتصر.
بعد المنتصر، قرر المعتمد ترك سامراء والعودة إلى بغداد عاصمةً للدولة العباسية، لتدخل المدينة بعدها في مرحلة صراعات وهجمات لاحقة.
ظلت سامراء مصيرة على الحكم طوال فترة خلافة المعتصم بالله لكن على مدى السنوات كانت قبضتها تتراخى شيئاً فشيئاً حتى فترة حكم الخليفة المتوكل على الله وانتهت سيطرتها إكلينيكيًا باغتيال الخليفة المتوكل نفسه وتنصيب المنتصر خليفة على الدولة العباسية ومن بعده المعتمد الذي قرر ترك سامراء والعودة إلى بغداد مرة أخرى واتخاذها عاصمة وظلت سامراء تعاني الكثير من الصراعات والهجمات اللاحقة.
لا تظل سامراء المدينة العريقة صامدة ومرابطة بوسط العراق العظيم رغم كل ما شهدته من أزمات واضطرابات وهجمات غازية وأخرى تخريبية كالتي قام بها المغول أو غيرهم من المخربين. وبالرغم من ذلك فإن جمال المدينة القديمة والمدينة المعاصرة مازالا برّاقين يخطفان أبصار من يزورهما خاصة بمئذنة الجامع الكبير الملوية المبهرة.