ربما مصطلح الحساسية الثقافية يكون جديدا أو أنك لم تسمعه من قبل. إذا كنت مغتربا بهدف الدراسة أو العمل أو مقبلا علي تلك المرحلة أو رحالة دائم السفر كهواية أو لظروف العمل. أو إذا كنت تعمل في شركة أو تدرس في جامعة دولية وتتعامل مع جنسيات متعددة فإن هذا المقال يستحق وقتك. أما إذا لم تكن هذا أو ذاك ولكن بين أفراد أسرتك أو أصدقائك أفراد مغتربون وتشعر بعدم ألفة أو أختلاف معهم أحيانا فإننا ندعوك لتتابع سطور هذا المقال أيضا.
الحساسية الثقافية بكلمات بسيطة هي قدرتك على التعرف على سلوكيات أشخاص ينتمون لعرق أو ثقافة تختلف اختلافا كبيرا عنك وعن ثقافتك والتفاهم معهم بشكل مناسب. أي أنها التواصل بين أفراد ينتمون لثقافات مختلفة. اختلاف الثقافة واللغة يعتبر أكبر عائق يواجه كل مغترب وكل فرد تضطره ظروف العمل أو الدراسة للتواجد مع أشخاص تختلف اختلافا كليا عنه.
قراءة مقترحة
عندما يغترب العربي في أحد الدول العربية فإنه يجد الكثير من النقاط المشتركة مع مواطني تلك الدولة. تشترك الدول العربية في الكثير من العادات والتقاليد والفنون والطعام وطرق الاحتفال والمناسبات والعقائد وحتى اللغة، والتحدي الحقيقي يتمثل في اغتراب العربي في دول أجنبية أو عمله وسط مجتمع متعدد الجنسيات. أنت بصدد الاختلاط في مجتمع ذي ثقافة مختلفة بشكل كبير.
في عام 1986 وضع الدكتور ميلتون بينيت نموذجا يمكنه أن يشرح مراحل الحساسية بين الثقافات وتطورها. إذا كنت من بين المغتربين أثق أنك ستشعر بتطابق تلك المراحل بشكل كبير مع تجربتك الخاصة. ربما توقف الأمر عندك في إحدى المراحل ولم تستطع تجاوزها وربما مررت بكل تلك المراحل. تجربتي الشخصية التي لا أود أن أعرضها على القارئ، وجدت فيها الكثير من هذا النموذج. هيا بنا نمر سويا بتلك المراحل بشكل سريع.
يرى الفرد ثقافته بوصفها الإطار الوحيد الطبيعي، ويميل إلى العزلة أو تجاهل الاختلاف.
يدرك الاختلاف لكنه يتمسك بثقافته باعتبارها الأصح، فتكثر المقارنات والجدل.
يعترف بوجود اختلافات، لكنه يراها أصغر مما هي عليه ويتوقع من الآخرين الاقتراب من معاييره.
يبدأ احترام الاختلاف وفهم أن ثقافته واحدة بين ثقافات متعددة.
يصبح التواصل أكثر فاعلية، وتنعكس الحساسية الثقافية على الكلمات والسلوك.
يصل الفرد إلى توازن بين هويته الأصلية والثقافة الجديدة دون أن يفقد ذاته.
إذا لم يسبق لك السفر أبدا أو كنت في الشهور الأولى من السفر فربما تكون في تلك المرحلة بعينها. مرحلة الإنكار هي التفكير أن الثقافة الوحيدة الموجودة والحقيقية هي ثقافتك الخاصة التي نشأت وتربيت عليها. ودعني أذكرك أن حديثنا يخص الثقافة وليس العقيدة. ستجد أنك تعيش في عزلة وتتجنب الاختلاط من أي نوع، والعزلة ليست جسدية فقط بل أحيانا نفسية أيضا. أي ربما تذهب للعمل يوميا وتتجاهل تماما الاختلاف مع من حولك بشكل غير إرادي.
في تلك المرحلة أصبحت تدرك الاختلاف الثقافي بوضوح ولكنك في دفاع دائم عن ثقافتك الخاصة أنها هي الوحيدة الصحيحة أو الحقيقية. على سبيل المثال ربما تنخرط في جدل أن الخضروات لا يجب أن تطهى إلا بصوص الطماطم الأحمر وأن طهيها بالصوص الأبيض أو بأي طريقة أخرى هو أمر خاطئ ولا يجوز. أو ارتداء الرجال لألوان معينة لا يصح أو لا يجوز. ثانيا، أنا لا أحدثك عن العقائد مثل الاحتشام في الزي وإنما الثقافة التي ترى الطهي يتم بطريقة محددة أو توافق الألوان أو طرق الاحتفال بالأعياد والأعراس يجب أن يتم بطريقة بعينها. يحدث الكثير من الجدل في تلك المرحلة بينك وبين الآخرين المختلفين عنك لأنك في حالة دفاع طوال الوقت. ستجد أن جملك الحوارية الدائمة تحوي كلمات "نحن وهم" وأن ثقافتك هي الأصح والأرقى والأكثر شأنا وقيمة.
يلي مرحلة الدفاع مرحلة تسمى بالتقليل، يميل فيها الفرد لرؤية الاختلافات الثقافية في حجم أصغر من حجمها. أي يشعر أن هناك اختلافات ولكنها بسيطة ويمكن بسهولة تجاوزها إذا ما تصرف الآخرون وفقا لثقافته الخاصة. تذكر في المرحلة السابقة ذكرنا أنك ترى أن ثقافتك هي الثقافة الصحيحة؟ الآن أنت تتوقع أن يحذو الآخرون حذوك، فقط يحتاجون إلى القليل من التنازل.
في تلك المرحلة تبدأ في تقبل الأمر. أنك ترى الاختلاف وتتقبله، والتقبل هنا لا يعني أنك بالضرورة ترى الاختلاف بصورة إيجابية. البعض يتقبل فكرة أن الآخرين لديهم ثقافة مختلفة ولكنهم يرونها بشكل سلبي. تتفتح عينك بشكل عام على وجود ثقافات كثيرة مختلفة وترى ثقافتك كواحدة بينها. إنها نظرة أكثر اعتدالا. كما تبدأ في احترام هذا الاختلاف الثقافي وتتوقف عن انتقاده أو توقع أن يغير الآخر ثقافته ليحذو حذوك. ستجد أنك بدأت في الشعور بالفضول للتعرف على المزيد من الثقافات المختلفة وفهمها بشكل أفضل. في تلك المرحلة ستلاحظ تحسنا ملحوظا في علاقاتك وتفاعلك مع الآخرين. يظهر احترامك للثقافات الأخرى في طريقة كلامك وحتى لغة الجسد معهم. مثلما ظهر استياؤك أو تعجبك في المراحل السابقة يبدأ أن يظهر تقديرك وتفهمك في هذه المرحلة.
تعتبر تلك المرحلة مكملة للمرحلة السابقة حيث يسعى فيها الفرد للتواصل بشكل أكثر فاعلية. حتى تجد أنك متكيفا بشكل أفضل مع الاختلاف ومتقبلا له بشكل صحي. لديك المزيد من التفاهم والتفاعل والحساسية الثقافية، بحيث ينعكس تفهمك وتقبلك في اختيار كلماتك وسلوكياتك بشكل لا يجرح الآخرين. ستجد أن نظرتك للعالم وللآخرين مختلفة عن قبل.
تفهم وجود الاختلاف وتحترمه، لكن التفاعل العملي معه ما زال في طور التعلم.
تختار كلماتك وسلوكك بوعي أكبر، وتصبح أكثر قدرة على التواصل دون إيذاء أو سوء فهم.
مرحلة الاندماج تظهر بوضوح عند الأشخاص المغتربين من سنين عديدة منذ عشر أو عشرين عاما أو حتى لدى الرحالة ودائمي السفر لدول متعددة. يظهر فيها بوضوح التكيف والتفاعل بشكل إيجابي دون التخلي عن الهوية الذاتية. عندما ترى هؤلاء الأفراد تشعر وكأنهم مزيج لا يمكن فصله بين ثقافتهم الأم وأصالتها وثقافتهم الجديدة التي يحيون فيها. تظهر بوضوح في الطهي على سبيل المثال، تجد أنهم يطهون وصفات البلد ويتمتعون بتناولها وغيرها من السلوكيات التي تعكس ثقافة الدولة المضيفة لهم. الحقيقة أن مرحلة الاندماج نادرا ما يصل لها العديد من الأشخاص لكنها مرحلة تنطوي على الكثير من التصالح والتفاهم مع الثقافة المختلفة وزرع جذور جديدة في ثقافة جديدة.
6 مراحل
يعرض المقال مسارا متدرجا يبدأ بالإنكار وينتهي بالاندماج، حيث يصبح الاختلاف الثقافي جزءا مفهوما من الحياة اليومية.