في أواخر عام 2025، أكد علماء الفلك إحدى أروع الظواهر التي رُصدت في الكون على الإطلاق: فقد التقط تلسكوب جيمس ويب الفضائي (JWST) دليلاً قاطعاً على وجود أول ثقب أسود فائق الكتلة هارب يمزق الفضاء. هذا الثقب الأسود، الواقع في مجرة البومة الكونية على بُعد حوالي 8.8 مليار سنة ضوئية، لا يستقر بهدوء في مركز مجرته المضيفة كما تفعل معظم الثقوب السوداء فائقة الكتلة. بل يندفع عبر الفضاء بين المجرات بسرعة مذهلة تبلغ 2.2 مليون ميل في الساعة، أي ما يعادل 1000 كيلومتر في الثانية. أذهل هذا الاكتشاف العلماء لأن الثقوب السوداء فائقة الكتلة عادةً ما تكون مثبتة بفعل جاذبيتها الهائلة في مراكز المجرات، مما يُشكل تطورها ويُغذي النوى المجرية النشطة. ومع ذلك، ها هو ذا ثقب أسود، كتلته عشرة ملايين ضعف كتلة الشمس، يُقذف من موطنه تاركاً وراءه ذيلاً مذهلاً من النجوم والغاز يمتد لمسافة 200 ألف سنة ضوئية. لم يقتصر تأكيد تلسكوب جيمس ويب الفضائي على وجود هذا الثقب الأسود الجامح على تصديق تنبؤات نظرية استمرت لعقود، بل فتح أيضًا فصلًا جديدًا في فهمنا لديناميكيات المجرات، والتفاعلات الجاذبية، والعمليات العنيفة التي يمكنها أن تُطيح حتى بأضخم الأجسام في الكون. وقد أظهر هذا التأكيد أنه حتى أكثر البنى استقرارًا في الكون قابلة للاضطراب، وأن المجرات نفسها تخضع لقوى أكثر فوضوية بكثير مما كان يُتصور سابقًا.
قراءة مقترحة
السؤال الذي يتبادر إلى الذهن فورًا هو كيف يمكن طرد جسم هائل كهذا من مجرته؟ يشير علماء الفلك إلى آليتين رئيسيتين، كلتاهما مرتبطة باندماج المجرات. الأولى تتضمن تفاعلات ثلاثية الأجسام، حيث تتقارب عدة ثقوب سوداء فائقة الكتلة أثناء اندماج المجرات. في مثل هذه التفاعلات الجاذبية الفوضوية، يمكن أن يُقذف ثقب أسود واحد خارج النظام بسرعة هائلة. الآلية الثانية هي ارتداد موجات الجاذبية، الذي يحدث عند اندماج ثقبين أسودين وانبعاث موجات جاذبية غير متناظرة منهما، مما يُعطي الثقب الأسود المتشكل حديثًا دفعة قوية. كلا السيناريوهين نتيجتان طبيعيتان لاندماج المجرات، ومجرة البومة الكونية، ببنيتها الحلقية المميزة التي تُشبه عيون البومة، هي نفسها في طور الاندماج. كشفت رصدات تلسكوب جيمس ويب الفضائي عن موجة صدمية أمام الثقب الأسود الهارب، تتشكل أثناء اختراقه للغاز بين المجرات، وذيل مضيء خلفه حيث يتراكم الغاز ويُحفز تكوين النجوم. هذه السمة المزدوجة - موجة الصدمة والذيل النجمي - قدمت الدليل القاطع الذي طالما بحث عنه علماء الفلك. فأكد بيتر فان دوكوم من جامعة ييل، الذي قاد البحث، أن القوى اللازمة لإزاحة مثل هذا الثقب الأسود الهائل هائلة، ومع ذلك يُثبت هذا الاكتشاف أن الطبيعة قادرة بالفعل على تحقيق هذا الإنجاز. وبالتالي فإن الثقب الأسود الجامح ليس شذوذًا بل هو نتيجة طبيعية لرقصة الجاذبية العنيفة التي تؤديها المجرات عبر الزمن الكوني.
لعلّ أبرز ما يلفت النظر في هذا الثقب الأسود الجامح هو أثره الهائل الذي يخلفه وراءه. إذ تُظهر صور تلسكوب جيمس ويب الفضائي مسارًا خطيًا يمتد لمسافة 200 ألف سنة ضوئية، مليئًا بنجوم حديثة التكوين، تشكلت نتيجة ضغط الغاز والغبار أثناء مرور الثقب الأسود. ويُعدّ هذا الأثر بمثابة حاضنة نجمية على نطاق مجري، وهي ظاهرة لم يسبق لها مثيل. تعمل الصدمة الأمامية للثقب الأسود كقوس سفينة تشقّ الماء، دافعةً المادة جانبًا ومُحدثةً مناطق ضغط شديد. أما خلفها، فتسمح بيئة الضغط المنخفض للغاز بالانهيار وتكوين النجوم. في الواقع، لا يُمثّل الثقب الأسود الجامح قوةً مُدمّرة فحسب، بل قوةً مُبدعة أيضًا، إذ يُساهم في تكوين تجمعات نجمية جديدة أثناء ابتعاده السريع عن منشئه. تحمل مجرة البومة الكونية الآن آثار هذا الحدث: نواتان مجريتان نشطتان تُشكلان "عينيها"، وحاضنة نجمية تُشكل "منقارها"، وثقب أسود هارب يشقّ خطًا مضيئًا عبر الفضاء. وبالنسبة لعلماء الفلك، يُعدّ هذا الأثر بالغ الأهمية لأنه يُقدّم سجلًا مباشرًا لرحلة الثقب الأسود، مما يسمح لهم بقياس سرعته واتجاهه وتأثيره على البيئة المحيطة. كما أنه يثير تساؤلات عميقة حول عدد النجوم في الكون التي قد تدين بوجودها لمثل هذه الأحداث الكونية العنيفة. ولذلك، فإن الثقب الأسود الهارب ليس رمزًا للدمار فحسب، بل هو أيضًا رمز للخلق، إذ يُعيد تشكيل الكون في أعقابه.
إن تأكيد وجود ثقب أسود هائل هارب له آثار بعيدة المدى على فهمنا للمجرات والثقوب السوداء والكون نفسه. أولًا، يُؤكد هذا الاكتشاف صحة تنبؤات نظرية راسخة مفادها أن الثقوب السوداء فائقة الكتلة قد تتمكن أحيانًا من الإفلات من مجراتها المضيفة، وهو سيناريو لم يُرصد بشكل مباشر حتى الآن. ثانيًا، يُسلط الضوء على دور اندماج المجرات كمحركات للفوضى الكونية، القادرة على إعادة تشكيل المجرات وقذف أضخم عناصرها. ثالثًا، يُشكك هذا الاكتشاف في الافتراضات المتعلقة بتطور المجرات، إذ أن إزالة ثقب أسود مركزي قد تُغير مستقبل مجرته المضيفة بشكل جذري. كما أن لهذا الاكتشاف آثارًا على علم فلك الموجات الثقالية، حيث يُقدم دليلًا على الدفعات الهائلة التي قد تنتج عن اندماج الثقوب السوداء. أما بالنسبة لعلم الكونيات، فيُؤكد هذا الاكتشاف على الترابط بين ديناميكيات المجرات وتكوين النجوم، مُبينًا أن حتى أكثر القوى تدميرًا يُمكن أن تُساهم في إنشاء هياكل جديدة. أخيرًا، يُوسع هذا الاكتشاف آفاق علم الفلك الرصدي، مُظهرًا القدرات الفريدة لتلسكوب جيمس ويب الفضائي (JWST) على رصد ظواهر كانت خفية في السابق. وكما أشار فان دوكوم، فإن هذا الاكتشاف "يُذهل العقل"، ليس فقط بسبب حجمه الهائل وسرعته الفائقة، بل لأنه يكشف عن كون أكثر ديناميكية وعنفًا مما كنا نتصور. إن الثقب الأسود الهائل الجامح الذي يمزق الفضاء يُذكّرنا بأنه حتى أكثر البنى الكونية استقرارًا قابلة للاضطراب، وأن الكون مكانٌ دائم الحركة والتحول والمفاجآت.