في إنجازٍ رائدٍ أسر الأوساط العلمية والجمهور على حدٍ سواء، أصدر فريقٌ من علماء الفيزياء الفلكية ما وصفوه بالصورة الأكثر تفصيلاً وغير المسبوقة التي تُوثّق ولادة الكون. تُقدّم هذه الصورة، المُجمّعة من بياناتٍ جُمعت على مدى سنوات بواسطة تلسكوب جيمس ويب الفضائي (JWST) ومراصد متقدمة أخرى، لمحةً عن الكون المبكر بعد الانفجار العظيم بمئات الملايين من السنين، أي منذ أكثر من 13.5 مليار سنة.
تُظهر الصورة، التي يُطلق عليها العلماء اسم "كبسولة الزمن الكونية"، حقبةً تُعرف باسم "الفجر الكوني"، وهي فترةٌ وقعت بعد بضع مئات ملايين السنين فقط من الانفجار العظيم، عندما بدأت النجوم والمجرات الأولى في التشكل. باستخدام تقنية التصوير بالأشعة تحت الحمراء وعدسة الجاذبية، تمكّن تلسكوب جيمس ويب الفضائي من النظر إلى الفضاء بشكلٍ أعمق، وبالتالي إلى زمنٍ أبعد من أي وقتٍ مضى.
قراءة مقترحة
أكثر من 13.5 مليار سنة
هذا هو العمق الزمني الذي تتيحه الصورة، ما يجعلها نافذة مباشرة على بدايات الكون الأولى.
والنتيجة صورةٌ مذهلةٌ مليئةٌ بالمجرات القديمة، وسحب الغاز الدوامية، وبصمات الضوء من بداية التاريخ الكوني. وصفت الدكتورة لورا مايرز، الباحثة الرئيسية في مركز جودارد لرحلات الفضاء التابع لناسا، الصورة بأنها صدى بصري لأول نبضة قلب للكون. وأوضحت أن كل نقطة وبقعة في الصورة تُمثل هياكل كانت تتشكل عندما كان الكون لا يزال في بداياته. وأضافت: "يشبه الأمر النظر إلى صورة للكون في طفولته. تتيح لنا هذه الصورة مشاهدة تشكل المجرات الأولى والنجوم الأولى، وربما أول لبنات الحياة".
لم تُلتقط هذه الصورة الرائعة بنقرة واحدة، بل هي نتيجة تركيب أُنجز على مدى عدة سنوات باستخدام بيانات من تلسكوب جيمس ويب الفضائي (JWST) ومراصد أرضية حول العالم. اعتمد العلماء على الأشعة تحت الحمراء والموجات الدقيقة، ثم دمجوا الرصد مع المعالجة الحسابية للاستفادة من الضوء الأقدم والأخفت.
جُمعت بيانات من تلسكوب جيمس ويب ومراصد أرضية لرصد الضوء الخافت والمنزاح نحو الأحمر القادم من أقدم الأجرام.
استُخدم الانزياح نحو الأحمر لفهم مدى بُعد المجرات وعمرها في الكون المبكر.
ساعدت الخوارزميات المتقدمة والذكاء الاصطناعي في تنقية البيانات وتجميعها في صورة واحدة عالية التفاصيل.
استفاد الباحثون من انحناء الضوء بفعل المجرات الضخمة لتضخيم مصادر الضوء البعيدة وتكبيرها.
قال الدكتور راج باتيل، عالم الفيزياء الفلكية المشارك في المشروع: "هذه الصورة تتويج لعقود من العمل الجماعي والابتكار التكنولوجي والفضول الدؤوب". وأضاف: "كان من المستحيل تصور هذا الأمر قبل جيل واحد فقط".
تكشف الصورة عن عشرات المجرات التي لم تُشاهد من قبل، وتلمّح إلى كونٍ مبكر أكثر تعقيدًا وديناميكية مما كان يُعتقد سابقًا. كما تبرز فيها إشارات إلى بنى أولية قد تساعد في إعادة صياغة فهمنا لتشكّل المادة والمجرات.
| العنصر المرصود | ما الذي يظهره؟ | أهميته العلمية |
|---|---|---|
| مجرات غير مسبوقة | عشرات المجرات التي لم تُشاهد من قبل | توسّع سجلنا البصري للكون المبكر |
| معدلات تشكّل النجوم | بعض الأجرام تبدو وكأنها تُنتج نجومًا بسرعة كبيرة | تشير إلى نشاط مبكر مكثف في بناء المجرات |
| "تكوين-1" | عنقود نجمي صغير وخافت ذو بصمة طاقة غير عادية | قد يمثل واحدة من أوائل المجرات المتشكلة |
| الخيوط والفراغات | أنماط غريبة توحي ببدايات الشبكة الكونية | تساعد على فهم توزيع المجرات والمادة المظلمة |
لا يُقدم هذا الإنجاز الهام سجلًا بصريًا لأصول كوننا فحسب، بل يفتح أيضًا آفاقًا جديدة للاكتشاف العلمي. يأمل الباحثون في استخدام الصورة لاختبار وتحسين النظريات الحالية حول الكون المبكر، مثل التضخم والمادة المظلمة وتكوين النجوم والعناصر الأولى. علاوة على ذلك، يمكن للبيانات التي تم جمعها أن تقرب العلماء من الإجابة على بعض الأسئلة الأكثر عمقًا في علم الكونيات: ماذا كان موجودًا قبل الانفجار الكبير؟ كيف تشكلت المجرات الأولى؟ وهل نحن وحدنا في الكون؟ هذه مجرد البداية كما قال الدكتور مايرز. مع كل اكتشاف جديد، نكشف طبقة أخرى من قصة الكون وهذه القصة أجمل بكثير وأكثر تعقيدًا مما تخيلنا. وبينما تشق هذه الصورة التاريخية طريقها إلى الفصول الدراسية في كتب العلوم وعناوين الأخبار حول العالم، فإنها تقف كشهادة على رغبة البشرية الدائمة في فهم أصولنا. إنها تذكرنا أنه حتى في عالم متغير باستمرار وغالبًا ما يكون فوضويًا، هناك شيء موحد بعمق في التحديق في النجوم والتساؤل عن أين بدأ كل شيء.
على الرغم من هذه القفزات الكبيرة للأمام، لا يزال لغزٌ كونيٌّ قائمًا: ما يُسمى بتوتر هابل. يشير هذا المصطلح إلى الخلاف المستمر بين طريقتين لقياس معدل تمدد الكون. فالقياسات المستندة إلى الكون المبكر (مثل تلك الصادرة عن ACT) لا تتطابق تمامًا مع الأرقام التي نحصل عليها من رصد المجرات القريبة.
يجب أن تعطي جميع طرق قياس تمدد الكون النتيجة نفسها بسهولة.
هناك اختلاف مستمر بين قياسات الكون المبكر وقياسات المجرات القريبة، ما يترك العلماء أمام احتمال وجود فيزياء غير مكتشفة أو حاجة إلى أدوات أدق.
إنها معضلةٌ حيرت علماء الكونيات. فهل يُمكن أن يُشير هذا إلى فيزياء مجهولة؟ أم أن تقنيات القياس لدينا لا تزال في طور التطور؟ تُعلّق الآمال الآن على مرصد سيمونز القادم، وهو تلسكوب من الجيل التالي يَعِد بقراءاتٍ أكثر دقة. يعتقد العلماء أن قدراته المتقدمة لن تُساعد فقط في حل توتر هابل، بل ستُلقي الضوء أيضًا على ألغاز المادة المظلمة والطاقة المظلمة المُحيّرة - وهما مكونان يُشكلان الجزء الأكبر من الكون، لكنهما يظلان غامضين بشكلٍ مُحبط.
كل قفزة في تكنولوجيا الرصد تُقرّبنا من فهم أصولنا. مع أحدث اكتشافات ACT، نرى الكون ليس كما هو فحسب، بل كما كان في بداياته - قصة كُتبت في الضوء، عبر مليارات السنين. هذه الأدوات الجديدة لا تُقدم صورًا أوضح فحسب، بل تُساعدنا أيضًا على تحسين نماذجنا، وتحدي الافتراضات القديمة، والاقتراب من الإجابة على بعض أهم أسئلة الكون. إنه تذكيرٌ مثيرٌ بأن الكون، حتى اليوم، لا يزال يخفي أسرارًا تنتظر الكشف عنها - وأن رحلة الاكتشاف لم تنتهِ بعد.