يواجه العراق، المعروف تاريخياً ببلاد ما بين النهرين - بلاد الرافدين - أزمة مياه حرجة. فبعد أن كان يتغذى من نهري دجلة والفرات، اللذين احتضنا الحضارات القديمة، يجد العراق نفسه اليوم في خضم واحدة من أسوأ حالات الطوارئ الهيدرولوجية في تاريخه الحديث. في عامي 2024 و2025، أكد المسؤولون العراقيون أن احتياطيات المياه في البلاد قد وصلت إلى أدنى مستوياتها منذ 80 عاماً، ويعزى ذلك أساساً إلى موسم أمطار جاف للغاية، وتغير المناخ، وسيطرة الدول المجاورة على مياه المنبع، وعدم الكفاءة الداخلية. يتناول هذا المقال موارد المياه في العراق، وتنوعها، واستخدامها حسب القطاعات، وتوازن الإنتاج والاستهلاك، والعجز المائي طويل الأمد، والاستجابات الحكومية، والمستقبل المحتمل للأمن المائي في العراق.
قراءة مقترحة
خريطة العراق ونهري دجلة والفرات
نموذج لبوابة عشتار في بابل في عام 2018م
تُعد المياه السطحية من نهري دجلة والفرات، اللذين ينبعان من تركيا وسوريا وإيران، الموارد المائية الرئيسية في العراق. يُسهم هذان النهران بأكثر من 98% من موارد المياه المتجددة في العراق، مع مساهمة ضئيلة من المياه الجوفية ومياه الأمطار.
98%+
أكثر من 98% من موارد العراق المائية المتجددة تأتي من دجلة والفرات، ما يوضح شدة الاعتماد على التدفقات العابرة للحدود.
شط العرب بالبصرة
| المؤشر | القيمة | ملاحظة |
|---|---|---|
| متوسط تدفق دجلة تاريخياً | حوالي 21 مليار م³ سنوياً | تدفق تاريخي تقريبي |
| متوسط تدفق الفرات | حوالي 30 مليار م³ سنوياً | أكبر مساهمة بين النهرين |
| إجمالي الموارد المتجددة قبل 1990 | حوالي 75 مليار م³ سنوياً | مستوى أعلى من الوضع الحالي |
| التوافر المتجدد في 2024 | حوالي 45 مليار م³ سنوياً | انخفاض واضح في الموارد |
يشهد حجم المياه الداخلة إلى العراق انخفاضاً مطرداً منذ سبعينيات القرن الماضي بسبب بناء السدود في دول المنبع، ولا سيما مشروع جنوب شرق الأناضول التركي (GAP).
شيخا دار 3611 م أعلى نقطة في العراق
نهر الخابور في زاخو- العراق
تمتد مخرجات وتدفقات المياه في العراق من نقاط الدخول الشمالية (دهوك، زاخو) إلى وسط وجنوب العراق (بغداد، البصرة)، مما يدعم كلاً من المستوطنات البشرية والزراعة. تُستخدم المياه في:
القطاع الزراعي هو المستهلك الرئيسي للمياه في العراق، ويستحوذ على نحو ثلاثة أرباع الاستخدام الكلي.
يشمل تزويد الأسر والخدمات البلدية بالمياه في المناطق الحضرية والريفية.
يذهب جزء أصغر من المياه إلى الصناعة والخدمات المرتبطة بها.
تتذبذب مستويات التدفق بشكل كبير بسبب التحكم في المنبع. في سنوات الجفاف (مثل 2022-2024)، انخفض تدفق نهر الفرات بنسبة 70%، ودجلة بأكثر من 60%، وفقاً لوزارة الموارد المائية العراقية.
تتأثر تقلبات التدفق بعوامل متعددة:
يتداخل المناخ مع البنية التحتية الإقليمية والخسائر الداخلية ليصنع ضغطاً متزايداً على الموارد المائية.
ضعف الأمطار
كان موسم الأمطار 2023-2024 أقل من المتوسط بنسبة 40%.
تغير المناخ
ارتفع متوسط الحرارة السنوية في العراق بمقدار 1,5 درجة مئوية منذ 1980، ما أثر في الثلوج والأمطار بمناطق المنابع.
السدود في المنبع
ساهمت السدود، ومنها سد إليسو التركي، في خفض تدفق دجلة إلى العراق خلال فترات الجفاف.
التبخر والتصحر
يفقد العراق أكثر من 8 مليارات متر مكعب سنوياً بسبب التبخر وأنظمة الري غير الفعالة.
خريطة التصحر في العالم، والتي أعدت في سنة 1998م، وتبين أن مناطق شاسعة من العراق في خطر مرتفع جداً أو مرتفع بالنسبة للتصحر.
تُحدِّد عدة عوامل ناتج المياه في العراق:
• السياسة المائية: لا توجد اتفاقيات شاملة لتقاسم المياه بين العراق وتركيا أو سوريا أو إيران.
• سوء الإدارة الداخلية: تُضعف البنية التحتية القديمة، والتسربات، ونقص عدادات المياه كفاءة الاستخدام.
• النمو السكاني: ارتفع عدد سكان العراق من ٢٢ مليون نسمة عام ١٩٩٠ إلى أكثر من ٤٤ مليون نسمة عام ٢٠٢٤.
• عدم كفاءة الزراعة: أكثر من ٩٠٪ من الري يعتمد على تقنيات الري بالغمر القديمة.
| القطاع | الطلب (مليار متر مكعب/سنة) | ملاحظات |
|---|---|---|
| الزراعة | 33 | مستهلك رئيسي: قمح، أرز، نخيل |
| المنازل | 6.5 | الأسر الحضرية والريفية |
| الصناعة | 4 | النفط، التصنيع، الخدمات |
| البيئة | 2 | استعادة الأهوار والنظم البيئية |
إجمالي الطلب: ~45-50 مليار متر مكعب/سنة.
يوضح ميزان المياه أن التوافر والإنتاج لا يغطّيان الاستهلاك بالكامل، ما يفسر استمرار العجز والاعتماد المتزايد على المياه الجوفية.
إنتاج داخلي يقارب 7 مليارات متر مكعب سنوياً، وتدفق سطحي يقارب 38 ملياراً، بإجمالي توافر يصل إلى نحو 45 مليار متر مكعب سنوياً.
يبلغ الاستهلاك نحو 50 مليار متر مكعب سنوياً، ما يترك عجزاً يقدر بحوالي 5 مليارات متر مكعب سنوياً.
غالباً ما يُغطى هذا العجز بالإفراط في استخراج المياه الجوفية، مما يؤدي إلى استنزاف خزانات المياه، وانعدام الاستدامة على المدى الطويل.
تفاقم عجز المياه مع كل عقد:
سنوات فائضة نسبياً، مع ظهور علامات مبكرة على الإجهاد المائي.
ألحقت الحرب أضراراً بالبنية التحتية، وتزايد أثر السدود عند المنبع.
تسارع التصحر وبرزت أزمة نقص المياه في البصرة عام 2018.
تقلبات مناخية قاسية، أدنى هطول في 2023-2024، وانخفاض الاحتياطيات إلى نحو 7 مليارات متر مكعب بعد أن كانت قرابة 40 ملياراً في عام 2000.
في نيسان 2024، انخفضت احتياطيات المياه في العراق إلى أقل من 7 مليارات متر مكعب، وهو أدنى مستوى لها منذ أربعينيات القرن الماضي. وبلغت خزانات مثل الموصل وحديثة أدنى مستوياتها التاريخية. ويُعزى هذا الانخفاض إلى:
• ارتفاع معدل التبخر وضعف حوكمة المياه.
اتخذت الحكومة العراقية عدة تدابير:
تستمر المفاوضات مع تركيا وإيران، لكن من دون اتفاقيات قابلة للتنفيذ حتى الآن.
تستهدف الاستراتيجية الوطنية للمياه 2021-2035 خفض الاستهلاك الزراعي بنسبة 30% وزيادة كفاءة الري.
تشمل الاستجابة مشاريع تجريبية للري بالتنقيط في النجف وذي قار، إضافة إلى حملات توعية عامة.
هناك محطة تحلية مخطط لها في البصرة بتكلفة تقارب 4 مليارات دولار أمريكي.
مع ذلك، لا يزال التنفيذ والتنسيق ضعيفين، كما أن عدم الاستقرار السياسي يُعيق التقدم.
• حروب المياه: تصاعد التوترات مع تركيا وإيران.
• انعدام الأمن الغذائي: انخفض إنتاج القمح بنسبة 50% في الفترة 2023-2024.
• النزوح الداخلي: أفادت المنظمة الدولية للهجرة بأن 130,788 شخصاً ظلوا نازحين بسبب ظروف الجفاف في العراق حتى 15 أيلول 2023.
تصاعد التوترات الإقليمية، تراجع الأمن الغذائي، واستمرار النزوح المرتبط بالجفاف.
التعاون الإقليمي، نقل التكنولوجيا مثل التحلية بالطاقة الشمسية والاستشعار عن بُعد، وتعهدات تمويل دولية لتحديث البنية التحتية.
• التعاون الإقليمي: أطر عمل بقيادة الأمم المتحدة بشأن تقاسم حوض نهري دجلة والفرات.
• نقل التكنولوجيا: تحلية المياه بالطاقة الشمسية، والاستشعار عن بُعد لرصد المياه.
• المساعدات الدولية: تعهدت الجهات المانحة الدولية بتقديم 3 مليارات دولار في عام 2024 لتحديث البنية التحتية للمياه في العراق (البنك الدولي، ومنظمة الأغذية والزراعة، والوكالة اليابانية للتعاون الدولي).
إن وصول احتياطيات المياه في العراق إلى أدنى مستوياتها منذ 80 عاماً ليس مُجرّد شذوذ هيدرولوجي، بل هو تتويج لعقود من التحكم في المنبع، وعدم الكفاءة المحلية، وتغيّر المناخ، وعدم كفاية الاستجابات السياسية. بدون إجراءات جريئة وفورية، يواجه العراق تدهوراً بيئياً متفاقماً، وتدهوراً اقتصادياً، واضطرابات اجتماعية. ومع ذلك، فمن خلال التعاون الإقليمي المُنسّق، والاستثمار في البنية التحتية، والإصلاح المؤسسي، لا يزال بإمكان العراق رسم مسار نحو استدامة المياه. بصفته مهد الحضارة، أظهر العراق تاريخياً مرونةً وقابلية للتكيُّف؛ والآن عليه أن يُكيّف استراتيجيته المائية للبقاء والاستمرار في مستقبل يبدو أكثر جفافاً وتوتراً.