لعقود، لاحظ الناس وجود صلة بين التوتر الشديد وتساقط الشعر المفاجئ. وسواء كان ناتجًا عن صدمة عاطفية أو مرض أو قلق مزمن، فغالبًا ما كانت هذه الظاهرة تُعتبر مجرد أثر جانبي تجميلي للإجهاد النفسي. لكن الأبحاث الحديثة من جامعة هارفارد ألقت الضوء أخيرًا على الآليات البيولوجية الكامنة وراء هذه الصلة - وهي أكثر تعقيدًا مما كان يُعتقد سابقًا. يكمن جوهر هذا الاكتشاف في استجابة الجسم "للقتال أو الهروب". عندما نتعرض لتوتر حاد، يُطلق جهازنا العصبي الودي دفعة من النورإبينفرين، وهو ناقل عصبي يساعدنا على الاستجابة السريعة للخطر. ومع أن هذه الاستجابة ضرورية للبقاء، إلا أنها تأتي بعواقب غير مقصودة. فوفقًا للأستاذة يا تشيه هسو وفريقها في معهد الخلايا الجذعية بجامعة هارفارد، فإن ارتفاع مستويات النورإبينفرين يمكن أن يُلحق الضرر بالخلايا سريعة الانقسام في بصيلات الشعر. هذه الخلايا مسؤولة عن نمو الشعر، وعندما تُفرط في إنتاجه، تموت. والنتيجة؟ تساقط الشعر المفاجئ والمؤقت. لكن لحسن الحظ، عادةً ما تُجنّب الخلايا الجذعية التي تُجدّد بصيلات الشعر الضرر، مما يسمح للشعر بالنمو مجددًا بمجرد انحسار التوتر
قراءة مقترحة
مع أن تساقط الشعر المؤقت مُزعج، إلا أنه غالبًا ما يكون قابلًا للعكس. ولكن ماذا عن الحالات التي يُصبح فيها تساقط الشعر مُزمنًا أو يتكرر مع كل مُسبب ضغط جديد؟ اكتشف فريق هارفارد مرحلةً ثانيةً أكثر خبثًا من استجابة الإجهاد، قد تُفسر ذلك. فباستخدام تقنيات تصوير متطورة، لاحظ الباحثون أن بصيلات الشعر التالفة تبدو كما لو أنها "مُغمورة بحمض". هذا النخر - موت الخلايا الناجم عن إصابة - يُحفّز الجهاز المناعي على الاستجابة كما لو أن الجسم يتعرض لهجوم. في هذه الحالة، يُخطئ الجهاز المناعي في تحديد البصيلات التالفة على أنها أجسام غريبة. فيُنشّط هذا الخلل الخلايا التائية CD8+، وهي نوع من الخلايا المناعية التي تحمي الجسم عادةً من العدوى. ولكن تحت تأثير الإجهاد، تُصبح هذه الخلايا ذاتية التفاعل - فتبدأ بمهاجمة بصيلات الشعر السليمة. ويمكن أن تستمر هذه الاستجابة المناعية الذاتية أو تظهر مرة أخرى مع الإجهاد المستقبلي، مما يؤدي إلى حالات مثل الثعلبة البقعية، حيث يستهدف الجهاز المناعي بصيلات الشعر بشكل متكرر، مما يتسبب في تساقط الشعر بشكل متقطع أو كلي
إن اكتشاف هذه الآلية ثنائية المراحل أي تلف البصيلات الأولي الذي يتبع بخطأ في تحديد الجهاز المناعي - له تداعيات تتجاوز بكثير تساقط الشعر. فهو يوفر منظورًا جديدًا لدراسة أمراض المناعة الذاتية مثل الذئبة، والتصلب اللويحي، وداء السكري من النوع الأول. في هذه الحالات، يهاجم الجهاز المناعي الأنسجة السليمة عن طريق الخطأ، وغالبًا ما يكون ذلك نتيجةً لمحفزات مثل العدوى أو التوتر. تشير دراسة هارفارد إلى أن تلف الأنسجة الناجم عن التوتر قد يكون الشرارة التي تُشعل نيران المناعة الذاتية هذه. فإذا كان التوتر قادرًا على تحفيز الجهاز المناعي لتنشيط بصيلات الشعر، فهل يُمكن أن تكون هناك آليات مماثلة في أعضاء أخرى؟
هذا يفتح آفاقًا واعدة للتدخل المبكر. إذا تمكن العلماء من إيجاد طرق لإيقاف الاستجابة المناعية الثانوية - ربما عن طريق تهدئة الخلايا التائية مفرطة النشاط أو حماية الأنسجة التالفة من التشخيص الخاطئ - فقد يمنعون ليس فقط تساقط الشعر، بل أيضًا نوبات المناعة الذاتية الأخرى. علاوة على ذلك، يُؤكد هذا البحث على أهمية إدارة التوتر ليس فقط للصحة النفسية، بل للصحة البدنية على المدى الطويل. إن التوتر المزمن ليس مجرد "أفكار" - بل يُمكن أن يكون له آثار طويلة الأمد على جهازك المناعي وصحتك العامة.
يُعد فهم الجذور البيولوجية لتساقط الشعر الناتج عن التوتر الخطوة الأولى نحو علاجات فعالة. تشير نتائج فريق هارفارد إلى أن التدخلات يمكن أن تستهدف أيًا من مرحلتي العملية: التلف الأولي للبصيلات أو الاستجابة المناعية اللاحقة. إن أحد السبل المحتملة هو تطوير أدوية تمنع الآثار الضارة للنورإبينفرين على بصيلات الشعر. فإذا تمكن العلماء من منع التلف الأولي، فقد يوقفون سلسلة التلف قبل أن تبدأ. وكبديل، يمكن أن تركز العلاجات على تعديل استجابة الجهاز المناعي - تدريبه على عدم مهاجمة بصيلات الشعر حتى بعد حدوث الضرر الناتج عن التوتر. يعزز هذا البحث أيضًا أهمية تقنيات إدارة التوتر. قد لا تُحسّن ممارسات مثل اليقظة الذهنية والتأمل وممارسة الرياضة بانتظام والحصول على قسط كافٍ من النوم المزاج فحسب، بل قد تحمي شعرك أيضًا. من خلال تقليل وتيرة وشدة استجابة الجسم للتوتر، قد تساعد هذه العادات في منع التفاعل البيولوجي المتسلسل الذي يؤدي إلى تساقط الشعر. وبالنسبة لمن يعانون بالفعل من تساقط الشعر المرتبط بالتوتر، تُطمئن هذه النتائج من يعانون بالفعل من تساقط الشعر المؤقت. فغالبًا ما يكون التساقط المؤقت قابلاً للعكس، وحتى في حالات الإصابة بأمراض المناعة الذاتية، قد تكون هناك علاجات جديدة في الأفق. يستكشف أطباء الجلد وأخصائيو المناعة بالفعل كيفية تطبيق هذه المعرفة لتطوير علاجات أكثر استهدافًا وفعالية.
قد نفهم أخيرًا سبب تساقط الشعر الناتج عن التوتر. بأنه ليس مجرد ارتباط غامض، بل هو عملية بيولوجية من جزأين، تشمل الجهازين العصبي والمناعي. أولًا، تُلحق هرمونات التوتر الضرر ببصيلات الشعر. ثم يُخطئ الجهاز المناعي في فهم الضرر ويُهاجمه، مما يؤدي أحيانًا إلى تساقط الشعر المزمن. لا يُلقي هذا الاكتشاف الضوء على مشكلة شائعة فحسب، بل يفتح أيضًا آفاقًا جديدة في دراسة أمراض المناعة الذاتية والحالات الصحية المرتبطة بالتوتر. إذا كنت تُعاني من تساقط الشعر الناتج عن التوتر، فاعلم أن العلم يُلحق بالركب، وقد تكون الحلول أقرب من أي وقت مضى.