أعمال التنقيب في أبوصير تكشف عن مجمع شمسي ضخم يعود إلى الأسرة الخامسة بعد انتظار دام قرنًا من الزمان

ADVERTISEMENT

لأكثر من قرن من الزمان، حافظت رمال أبو صير في مصر على أحد أكثر الألغاز إثارة في التاريخ القديم: مجمع معبد الشمس المفقود لفرعون من الأسرة الخامسة. بعد أن تم التلميح إليه لأول مرة في أوائل القرن العشرين، تم الكشف عن هذا الموقع الأثري الضخم الآن من قبل علماء الآثار المعاصرين، ما يوفر نظرة استثنائية على الحياة الدينية والعظمة المعمارية والتطور الثقافي لمصر القديمة.

الخلفية التاريخية - أبو صير وعبادة الشمس:

كانت أبو صير، الواقعة على الضفة الغربية لنهر النيل بين أهرامات الجيزة الشهيرة عالميًا ومقبرة سقارة، منطقة جنائزية واحتفالية مزدهرة خلال الأسرة الخامسة من المملكة القديمة (حوالي 2465-2325 قبل الميلاد). شهدت هذه الحقبة تكريسًا ملكيًا مكثفًا لإله الشمس رع، وهو تكريس ساعد في تشكيل الأيديولوجية الدينية للعصر وترك بصمة معمارية في جميع أنحاء المنطقة. في حين أن الأهرامات والمعابد الجنائزية معروفة جيدًا في أبو صير، فإن معابد الشمس — وهي هياكل ضخمة مخصصة خصيصًا لعبادة الشمس — ظلت غامضة لأجيال.

ADVERTISEMENT

قراءة مقترحة

تشير المصادر التاريخية إلى أن حكام الأسرة الخامسة أمروا ببناء ستة معابد للشمس، ولكن لم يتم التعرف إلا على اثنين منها — معبد أوسركاف ومعبد ني أوسر رع إيني — ودراستهما جزئيًا من الناحية الأثرية. كانت هذه الملاذات بمثابة نقاط محورية لعبادة الشمس والطقوس التي ترعاها الدولة طوال ذروة الأسرة.

الصورة في المجال العام على rawpixel

تمثال رأسي للملك أوسركاف

الجهود المبكرة والانتظار الذي دام قرنًا:

في عام 1901، اكتشف عالم المصريات الألماني الشهير لودفيج بورشاردت لأول مرة الموقع المحتمل لمجمع معبد الشمس بالقرب من منطقة أبو غراب في أبو صير. ولكن بحثه توقف بسبب ارتفاع منسوب المياه الجوفية الذي جعل التنقيب مستحيلًا عمليًا في ذلك الوقت. ظل مدخل المجمع — الذي ربما كان مغطى بسنين من طمي النيل — مغلقًا تحت الصحراء المتحركة، ما أبقى الحجم الكامل للمعبد لغزًا لعشرات المواسم الأثرية.

ADVERTISEMENT

قَدّمت الخرائط والمسوحات المبكرة التي أجراها بورشاردت أدلة مثيرة للاهتمام، ولكن لأكثر من مائة عام، افتقر العلماء إلى التقانة والظروف اللازمة لاختراق الموقع. ولم تتمكن البعثة الحديثة من استئناف عمله إلا مع التقدم الأخير في أساليب التنقيب وإدارة المياه الجوفية.

الاكتشاف الحديث - الكشف عن معبد الشمس:

في أواخر عام 2025، حققت بعثة أثرية إيطالية-مصرية مشتركة بقيادة الدكتور ماسيميليانو نوزولو (جامعة تورينو) والدكتورة روزانا بيريللي (جامعة نابولي)، ما طالما أملت فيه أجيال من الباحثين: الكشف بنجاح عن معبد الوادي التابع لمجمع الشمس للملك ني أوسر رع إيني.

يغطي هذا الجزء من المجمع - الذي كان على الأرجح بمثابة البوابة الطقسية الرئيسية بين النيل والمناطق المقدسة العليا - أكثر من 1000 متر مربع، ما يجعله أحد أكبر معابد الوادي وأكثرها تميزًا من الناحية المعمارية في مقبرة ممفيس.

ADVERTISEMENT

أبرز مسؤولون من المجلس الأعلى للآثار في مصر أهمية هذا الاكتشاف، مشيرين إلى أنه أحد معبدين فقط للشمس من مصر القديمة معروفين حتى الآن. وتعد البصمة المعمارية للمعبد الآن شاهدًا على فصل طويل من الزمن من العمارة الدينية التي ربطت الفراعنة والكهنة والإله الشمسي في بيئة احتفالية ضخمة.

الصورة بواسطة Marcus Cyron على wikimedia

تمثال مزدوج للملك ني أوسر رع

الكشف عن العمارة المقدسة:

كشف المنقبون عن السمات الرئيسية لمدخل المعبد، الذي كان مدفونًا تحت أكثر من متر من طمي النيل والحطام. تحت هذه الطبقة، عثروا على الأرضية الحجرية الأصلية، وقاعدة عمود من الحجر الجيري، وشظايا عمود دائري من الجرانيت كان يشكل في السابق جزءًا من رواق كبير.

ومن بين الاكتشافات الأخرى أجزاء من ممر الموكب الذي كان يؤدي من المدخل إلى الجسر والمناطق المقدسة. لا تزال أجزاء من الغلاف الحجري الأصلي في مكانها، إلى جانب عتبات ومداخل من الجرانيت — وكلها تشهد على الطريق الاحتفالي الذي كان الحجاج يتبعونه خلال الطقوس والمهرجانات.

ADVERTISEMENT

ومن المثير للدهشة أن علماء الآثار حددوا أيضًا منحدرًا ربما كان يربط المعبد مباشرة بالنيل أو بفرع قديم من النهر. وتؤكد هذه الميزة دور النهر ليس فقط كمصدر للحياة، ولكن كرابط مادي ورمزي للهيكل المقدس.

اكتشاف معماري آخر مثير للاهتمام هو درج داخلي يؤدي إلى السطح في الجزء الشمالي الغربي من المعبد — دليل على وجود مدخل ثانوي ومستوى من التطور في التصميم لم يكن موجودًا في الافتراضات السابقة حول تصميمات معابد الشمس.

القطع الأثرية والحياة اليومية:

بالإضافة إلى الآثار الضخمة، أسفرت الحفريات أيضًا عن مجموعة غنية من الاكتشافات الأصغر حجمًا التي تسلط الضوء على الأنشطة الاحتفالية واليومية في الموقع. من بين هذه الاكتشافات كميات كبيرة من الفخار تعود إلى الفترة من أواخر عصر الدولة القديمة إلى أوائل عصر الدولة الوسطى، مع تركيز كبير على المواد التي تعود إلى الفترة الانتقالية الأولى.

ADVERTISEMENT

وتجدر الإشارة بشكل خاص إلى قطعتين خشبيتين من لعبة اللوح القديمة سينيت، وهي لعبة ترفيهية متشابكة بعمق مع المفاهيم المصرية عن القدر والآخرة. يشير وجودهما إلى أن المعبد كان مأهولًا وتغيرت وظيفته بعد فترة طويلة من تلاشي الغرض الطقسي الأصلي منه.

تدعم هذه الآثار المادية النظرية القائلة بأن المنطقة المقدسة المهجورة أعيد استخدامها في القرون اللاحقة كمساحة سكنية أو مستوطنة — ما حوّل المعبد الذي كان مهيبًا في يوم من الأيام إلى بيئة معيشية عادية، وبالتالي زود علماء الآثار بأدلة نادرة على التحول الثقافي عبر الزمن.

رؤى جديدة حول الطقوس القديمة والسلطة الملكية:

من بين أهم الاكتشافات عتبة حجرية ضخمة منقوشة بالهيروغليفية تبدو وكأنها تسرد الأعياد الدينية وتشمل خرطوشة الملك ني أوسر رع إيني. توفر هذه النقوش رؤية غير مسبوقة حول التقويم الطقسي لعبادة الشمس — وهو اكتشاف نادر يسمح للعلماء بتجميع كيفية تنظيم عبادة رع في التقويم والاحتفال بها علنًا.

ADVERTISEMENT
الصورة بواسطة R.F.Morgan على wikimedia

مخطّط لمعبد شمس ني أوسر رع إيني

يعكس تخطيط الموقع — الذي يجمع بين معبد وادٍ ضخم وممر للمواكب واحتمال تكامله مع نهر النيل — الأهمية الرمزية واللاهوتية لعبادة الشمس. كما يضع هندسة أبو صير جنبًا إلى جنب مع أكثر المناظر الدينية طموحًا في المملكة القديمة، ما يكشف عن مستوى من التعقيد الطقسي لم يكن يُلمح إليه من قبل إلا في النصوص والبقايا المتفرقة.

الخاتمة - فصل جديد في علم المصريات:

يمثل التنقيب الناجح في مجمع معبد الشمس الضخم هذا علامة فارقة في علم آثار مصر القديمة. فهو لا يؤكد فقط التوقعات المبكرة لرواد مثل بورشاردت، بل يفتح أيضًا أرضية خصبة للبحوث المستقبلية حول كيفية تداخل الدين والملكية والهندسة المعمارية في واحدة من أعظم حضارات العصور القديمة.

وبينما تستعد البعثة الإيطالية المصرية لمواسم استكشافية أخرى، يتوقع المؤرخون وعلماء المصريات أن تظهر طبقات أعمق من المعبد والبيئة المحيطة به، ما قد يكشف المزيد عن الممارسات الطقسية القديمة والحياة في الأقاليم بعد المملكة القديمة، والمدى الكامل لأيديولوجية الشمس في السياسة الملكية.

ADVERTISEMENT

باختصار، لا يمثل هذا الاكتشاف الذي طال انتظاره في أبو صير انتصارًا أثريًا فحسب، بل جسرًا بين آلاف السنين من التاريخ — يربط العلماء المعاصرين والجمهور العالمي بالأحلام الدينية والطموحات المعمارية للأسرة الخامسة في مصر القديمة.