نظرية إشعاع هوكينغ: إعادة تشكيل أصولنا الكونية

ADVERTISEMENT
ADVERTISEMENT

من المعروف الآن أن الثقوب السوداء، التي كان يُعتقد أنها سجون أبدية للمادة والطاقة، تتبخر ببطء بسبب إشعاع هوكينغ. وتشير هذه الظاهرة إلى أن الثقوب السوداء ليست سوداء بالكامل، ولكنها تبعث إشعاعاً خافتاً يفقدها كتلتها بمرور الوقت.

ولكن هل يمكن أن يكون هذا الإشعاع قد لعب دورًا في تشكيل الكون؟ في هذه المقالة نبيّن نتائج دراسة حديثة تستكشف كيف يمكن أن يكون إشعاع الثقب الأسود قد أثر على الكون، من بداياته إلى المستقبل البعيد.

إشعاع هوكينغ:

في عام 1974، قدم ستيفن هوكينغ المفهوم الثوري بأن الثقوب السوداء يمكن أن تبعث إشعاعاً مشابهًا لانبعاث الحرارة الناتجة عن الأجسام الساخنة. وهي عملية كمومية؛ فقد جمع هوكينغ جزئيًا بين الأطر الرياضية للنسبية العامة وميكانيكا الكم للتحقيق في فيزياء الثقوب السوداء. واكتشف أنه، وفقًا لنظرية الحقول الكمومية، تنبثق أزواج الجسيمات ومضادّات الجسيمات من الوجود باستمرار في الفضاء، وأن الثقوب السوداء يمكن أن تصدر جسيمات، بما في ذلك الفوتونات (الضوء). تتسبّب هذه العملية في فقدان الثقب الأسود للطاقة (الكتلة) بمرور الوقت، ما يؤدي إلى تبخّره في النهاية.

ADVERTISEMENT

قراءة مقترحة

From unsplash الثقوب السوداء ليست سوداء بالكامل


أقل من 100 طن

هذا هو النطاق الكتلي الذي يفترضه النص لبعض الثقوب السوداء البدائية القادرة على إصدار إشعاع مؤثر كونيًا.

والأهم من ذلك أنّ معدل الإصدار ينخفض بازدياد كتلة الثقب الأسود، ما يعني أن الثقوب السوداء المتكونة من النجوم المنهارة والثقوب السوداء الهائلة تصدر إشعاعًا ضعيفًا لدرجة أنه لا يمكن رصده بواسطة الأجهزة الحالية. ولذلك فإن هذه الظاهرة، التي تعرف الآن باسم إشعاع هوكينغ، تظل نظريةً نظرًا لقوة الانبعاثات الضئيلة المحسوبة للثقوب السوداء العادية والفائقة الكتلة.

ومع ذلك، قد يكون الكون القديم قد احتوى على ثقوب سوداء أصغر بكثير، تسمى الثقوب السوداء البدائية (Primordial black holes أو PBHs اختصارًا)، كتلة كل منها أقل من 100 طن. يمكن أن تكون هذه الثقوب السوداء البدائية قد بعثت جسيمات بمعدل كافٍ للتأثير على البنى الكونية مثل المجرات والعناقيد.

ADVERTISEMENT

نتائج الدراسة:

تربط الدراسة بين تبخر الثقوب السوداء البدائية وآثار محتملة على البنية الكونية، كما تستخدم غياب الدليل المباشر لتقييد خصائص الجسيمات وهذه الثقوب نفسها.

تسلسل الأثر الكوني المفترض

مرحلة هيمنة مبكرة

تفترض الدراسة احتمال مرور الكون المبكر بمرحلة هيمنت فيها الثقوب السوداء البدائية على كثافة الطاقة.

تبخر عبر إشعاع هوكينغ

بعد ذلك تتبخر هذه الثقوب، ولا سيما الأخف منها، مطلقة إشعاعًا وجسيمات مرتبطة ببقايا هوكينغ.

آثار قابلة للرصد

يرى الباحثون أن هذه العملية ربما تركت بصمات في تكوين المجرات والبنى الكونية يمكن البحث عنها رصديًا.

درس العلماء كيف يمكن أن يؤثر إشعاع هوكينغ على الترتيب الكوني الحالي. على الرغم من أنهم لم يجدوا دليلًا مباشرًا على وجودها، إلا أن تحليلهم سمح لهم بتقييد خصائص الجسيمات والثقوب السوداء البدائية التي ربما تكون قد انبعثت منها.

ADVERTISEMENT

ووفقاً للدراسة، التي نشرت في مجلة علم الكونيات وفيزياء الجسيمات الفلكية، ربما تكون قد حدثت مرحلة في الكون المبكر حيث هيمنت هذه الثقوب السوداء البدائية على كثافة الطاقة قبل أن تتبخر من خلال إشعاع هوكينغ. ويذكر الباحثون أن الثقوب السوداء البدائية الخفيفة جداً يمكن أن تكون قد اكتسبت أهمية كبيرة أثناء التوسع، تاركة وراءها آثاراً يمكن ملاحظتها، تدعى بقايا هوكينغ. ويشير البحث إلى أن تأثير هذه الثقوب السوداء كان قوياً بما يكفي للتأثير على تكوين المجرات والبنى الكونية.


مقارنة زمن التبخر بحسب الكتلة

ثقب أسود بكتلة جبل
14 مليار عام
ثقب أسود بكتلة الشمس
10^67 سنة

من جهة ثانية، يتناسب الزمن الذي يستغرقه ثقب أسود ليتبخر بالكامل مع مكعّب كتلته؛ فمثلاً ثقب أسود صغير كتلته تساوي كتلة جبل أرضي يتبخّر بالكامل في غضون 14 مليار عام، في حين يحتاج ثقب أسود كتلته تعادل كتلة شمسنا إلى 10^67 سنة ليتبخر تمامًا.

ADVERTISEMENT

دور إشعاع هوكينغ في تطور الثقوب السوداء البدائية:

يعرض هذا الجزء كيف تختلف مصائر الثقوب السوداء البدائية بحسب الكتلة، ثم ينتقل إلى آثارها المحتملة في تاريخ الكون ومستقبله البعيد.

مصير الثقوب السوداء البدائية وفق الكتلة

الفئة الحالة الأثر المحتمل
الثقوب الصغيرة تبخرت بالكامل بحلول الآن قد تطلق أشعة غاما أو جسيمات عالية الطاقة وتساهم في الأشعة الكونية
الثقوب المتوسطة تتَبخر في الوقت الحالي قد تفسر بعض أحداث أشعة غاما غير المفسرة
الثقوب الكبيرة لا تزال موجودة اليوم قد تكون مرشحة لأن تكون مادة مظلمة

هل شكّل تبخّر الثقوب السوداء البدائية الكون المبكر؟

- إعادة التأين: إذا تبخرت الثقوب السوداء البدائية بأعداد كبيرة، فقد يكون إشعاعها قد ساهم في إعادة تأيين الهيدروجين في الكون المبكر.

ADVERTISEMENT

- عدم التماثل بين المادة والمادة المضادة: تشير بعض النظريات إلى أن تبخّر الثقوب السوداء البدائية يمكن أن يكون قد أثّر على تكوُّن المادة أكثر من تكوّن المادة المضادة (وهو ما يدعى بالتكوّن الباريوجيني).

- الخلفية الكونية الميكروية: قد يترك تبخر الثقوب السوداء البدائية بصمات، ولكن لم يتم العثور على دليل قاطع حتى الآن.


إشعاع الثقب الأسود ومصير الكون:

في المستقبل البعيد (حوالي 10^100 سنة)، عندما تكون النجوم قد ماتت، والمجرات قد تشتتت، ستكون الثقوب السوداء آخر البنى الكبيرة. في نهاية المطاف، حتى هذه الثقوب ستتبخر بسبب إشعاع هوكينغ، ما يؤدي إلى:

- كون مظلم فارغ تهيمن عليه الفوتونات والجسيمات دون الذرية.

ADVERTISEMENT

- سيناريو «الموت الحراري»، حيث يتم الوصول إلى الحد الأقصى من الإنتروبية.

الخاتمة - تأثير خفي ولكن عميق:

على الرغم من أن إشعاع هوكينغ ضعيف للغاية بالنسبة للثقوب السوداء الكبيرة، وأضعف من أن يكون له تأثير كبير في تشكيل الكون على نطاقات واسعة، إلا أن آثاره عميقة:

- فهو يوفر رابطاً بين ميكانيكا الكم والنسبية العامة.

- وهو يشير إلى أن الثقوب السوداء البدائية يمكن أن تكون قد تركت بصمات يمكن ملاحظتها.

- ويحدد المصير النهائي للثقوب السوداء والكون نفسه.

في الوقت الراهن، يظل إشعاع هوكينغ تنبؤًا نظريًا له عواقب كونية محتملة - بعضها لا يزال ينتظر الاكتشاف. على الرغم من أن الملاحظات الحالية لم تؤكد وجود بقايا هوكينغ، لا يزال العلماء متفائلين. فهم يعتقدون أن الأجهزة المستقبلية ذات الدقة المتزايدة قد تكتشف هذه الآثار، ما سيؤكد وجود إشعاع هوكينغ والثقوب السوداء البدائية، ويمكّن الدراسات التجريبية لخصائصها.