يتقاسم المغرب والجزائر تاريخًا غنيًا ومتشابكًا كدولتين متجاورتين في شمال إفريقية. وتتشكل علاقتهما بفعل قرون من التراث المشترك. وفي حين لا يمكن إنكار بعض التنافسات الجيوسياسية والخلافات غير المحلولة، إلا أن الروابط الثقافية واللغوية والدينية، تبقى هي الجامعة بينهما. ويبقى التعاون ولحظات التضامن بينهما قائمًا، وهناك حالات ومجالات يحدث فيها التعاون أو حدث بالفعل، وغالبًا ما يكون مدفوعًا بالتحديات الإقليمية المشتركة. تبيّن هذه المقالة نظرة عامة على المجالات الرئيسية التي تعاون، ويتعاون فيها المغرب والجزائر.
قراءة مقترحة
لدى المغرب والجزائر مصلحة راسخة في مكافحة الإرهاب والحفاظ على الاستقرار في المغرب العربي. فهناك تهديدات مشتركة تتمثّل في الجماعات المتطرفة والفصائل الإرهابية، ما يشكل خطرًا على كلا البلدين. كما أن كلا البلدين يشاركان في المنتديات الإقليمية والدولية مثل شراكة مكافحة الإرهاب عبر الصحراء الكبرى، ويتعاونان تحت رعاية الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي لمعالجة التهديدات الأمنية الإقليمية. إن الطبيعة المسامية للحدود تجعل مثل هذا التعاون أمرًا بالغ الأهمية.
يتقاطع تعاون البلدين دبلوماسيًا داخل أطر عربية وإفريقية ودولية، مع تركيز على قضايا إقليمية وتنموية وبيئية مشتركة.
| الإطار | مجال التعاون | أمثلة مطروحة |
|---|---|---|
| جامعة الدول العربية | قضايا عربية مشتركة | دعم الحقوق الفلسطينية ومعالجة الأزمات الإقليمية |
| الاتحاد الإفريقي | أولويات قارية | التنمية الاقتصادية ومكافحة الإرهاب ومشاريع البنية الأساسية |
| الأمم المتحدة | قضايا عالمية وتنموية | تغير المناخ والطاقة المتجددة والتنمية المستدامة |
| منتديات بيئية مشتركة | تحديات الموارد | التصحر وندرة المياه |
في حين أن التجارة البرية بين المغرب والجزائر ضئيلة حاليًا، كانت هناك محطّات عديدة من التعاون. فمثلًا في مجال الطاقة، كانت الجزائر تزوّد إسبانية بالغاز الطبيعي، حتى عام 2021، عبر خط أنابيب الغاز المغاربي الأوروبي الذي يمرّ عبر المغرب. وهذا وحده يُظهر كيف يمكن للضرورة الاقتصادية أن تدفع بالتعاون إلى الأمام.
ثم إن البلدين يتمتعان بإمكانات كبيرة في مجال الطاقة المتجددة؛ فالمغرب رائد في مجال الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، في حين تتمتع الجزائر بموارد شمسية وفيرة، وفيها مشاريع عملاقة.
على الرغم من عدم وجود مشاريع مشتركة كبرى، إلا أن التحديات البيئية المشتركة يمكن أن تمهد الطريق للتعاون في المستقبل. على صعيد السياحة، كانت السياحة عبر الحدود هامة. وغالبًا ما كان المواطنون المغاربة والجزائريون يزورون بلدَي بعضهم البعض، منجذبين إلى الثقافة المشتركة والروابط الأسرية. وبينما تضاءل هذا المجال الاقتصادي الآن، فإن هناك دعوات لإعادة إحياء هذا الشكل من التعاون.
غالبًا ما يتجلى التقارب بين البلدين في الثقافة اليومية والفنون والصلات الاجتماعية العابرة للحدود.
يتعاون موسيقيون وكتاب وصناع أفلام من المغرب والجزائر، بما يعكس قاعدة ثقافية متداخلة بين المجتمعين.
تُحتفى موسيقى الراي الجزائرية في المغرب، كما تجمع مهرجانات الموسيقى الأندلسية فنانين من البلدين.
أبقت الهجرة التاريخية والفترة الاستعمارية عائلات موزعة عبر الحدود، لكن الروابط الأسرية والاجتماعية استمرت في دعم التعاون غير الرسمي.
تواجه كل من المغرب والجزائر تحدي التوسع في التصحر، والذي يهدد الزراعة وسبل العيش الريفية. وتشارك كلا الدولتين في مبادرة الجدار الأخضر العظيم، وهي مبادرة بقيادة الاتحاد الإفريقي لمكافحة التصحر في منطقة الساحل. توجد أيضًا مخاوف مشتركة بشأن ندرة المياه وتغير المناخ، وهي تؤدي إلى التعاون بين البلدين من خلال المنتديات الدولية والمبادرات الإقليمية. من جهة ثانية، فإن البلدين يعالجان بعض القضايا البيئية عبر الحدود، مثل إدارة موارد المياه الجوفية أو منع إزالة الغابات.
2023
شهد هذا العام مثالًا واضحًا على التضامن الإنساني بعد زلزال جبال الأطلس المغربية وعروض المساعدة الجزائرية.
على الرغم من بعض الخلافات السياسية، أظهرت المغرب والجزائر تضامنهما في أوقات الأزمات. ففي عام 2023، وفي أعقاب زلزال مدمر في جبال الأطلس المغربية، أعرب العديد من الجزائريين عن تعاطفهم، وعرضت الحكومة الجزائرية المساعدات الإنسانية. وبالمثل، قدمت المغرب تعازيها ودعمها خلال حرائق الغابات الجزائرية والكوارث الأخرى. من جهة أخرى، واستجابة للوباء خلال جائحة كوفيد-19، شاركت الدولتان في الجهود الإقليمية لإدارة الأزمة الصحية، وخاصة من خلال المبادرات التي يقودها الاتحاد الإفريقي ومنظمة الصحة العالمية.
يقدر الخبراء أن التكامل الاقتصادي الأوسع بين بلدان المغرب العربي (مع تونس وليبيا وموريتانيا)، من شأنه أن يعزز الناتج المحلي الإجمالي بشكل كبير في مختلف أنحاء المنطقة، عن طريق تمكين التجارة والبنية الأساسية المشتركة وحرية تنقل الأشخاص. وهذا سيفتح الباب أمام فرص اقتصادية هائلة لكلا البلدين. من جهة ثانية، لطالما كان تطوير شبكات الطرق والسكك الحديدية عبر المغرب العربي حلمًا للمنطقة. وإذا تم التغلب على بعض العقبات، فيمكن للمغرب والجزائر التعاون في هذه المشاريع.
في حين أن التعاون بين المغرب والجزائر غير كافٍ حاليًا، فإن التاريخ والتحديات المشتركة، والأولويات الإقليمية تجمع بينهما. توجد فرص لزيادة التعاون في مجالات مثل الإدارة البيئية، والطاقة المتجددة، والأمن الإقليمي، والتكامل الاقتصادي. ولكن تحقيق هذه الإمكانات يتطلب إرادة من الطرفين. وعندها يمكن للبلدين الاستفادة بشكل كامل من تاريخهما ومواردهما المشتركة لصالح شعبيهما ولصالح منطقة المغرب العربي الأوسع.