قرطاج: مدينة قديمة في تونس، تضم مواقع تاريخية فينيقية ورومانية وعربية.

ADVERTISEMENT

تتربع مدينة قرطاج القديمة على ساحل تونس المتلألئ، وتشهد على تقلبات إمبراطوريات البحر الأبيض المتوسط. فقرطاج ليست مجرد أطلال، بل هي لوحة تاريخية متداخلة الطبقات، تلتقي فيها براعة الفينيقيين وعظمة الرومان وصمود العرب. يمتد تاريخها على مدى ألفي عام، جامعًا طموحات البحارة والغزاة والعلماء في إرث حضاري يعد الأكثرجاذبية في شمال إفريقيا. لم يكن موقع قرطاج على خليج تونس محض صدفة. فقد وفر هذا موقعًا استراتيجيًا للتجارة البحرية، مما سمح لها بالازدهار كقوة تجارية وعسكرية. وامتد نفوذها عبر البحر الأبيض المتوسط، منافسًا مدنًا مثل أثينا وروما. لكن قرطاج لم تكن مجرد مركز تجاري، بل كانت بوتقة ثقافية استوعبت وحوّلت تقاليد كل حضارة لامست شواطئها. إن أطلال قرطاج اليوم مُدرجة على قائمة اليونسكو للتراث العالمي، وهي تجذب الزوار من جميع أنحاء العالم الذين يأتون للتنزه بين أحجارها القديمة وتخيل الحياة التي عاشت فيها. فمن بقايا الموانئ والمعابد إلى أصداء المدرجات والمساجد، تدعونا قرطاج لاستكشاف استمرارية الحضارة الإنسانية من خلال هندستها المعمارية وروحها الخالدة.

ADVERTISEMENT
صورة بواسطة Christian Manhart على wikipedia

الأساس الفينيقي: ولادة إمبراطورية بحرية

تعود أصول قرطاج إلى القرن التاسع قبل الميلاد، عندما وصل المستوطنون الفينيقيون من مدينة صور إلى ساحل شمال إفريقيا. ووفقًا للأسطورة، أسست الملكة إليسا - المعروفة أيضًا باسم ديدو - المدينة بعد فرارها من الاضطرابات السياسية في وطنها. وسواءٌ أكانت أسطورة أم تاريخًا، فإن قصتها ترمز إلى الشجاعة والطموح اللذين ميّزا قرطاج في سنواتها الأولى. كان الفينيقيون ملاحين وتجارًا بارعين، وجلبوا معهم فهمًا متطورًا للتخطيط الحضري والخدمات اللوجستية البحرية. ومن أبرز إنجازاتهم بناء كوثون، وهو ميناء دائري مصمم للاستخدام التجاري والعسكري. وقد أتاحت هذه المعجزة الهندسية لقرطاج السيطرة على طرق التجارة والدفاع عن نفسها ضد التهديدات البحرية. لعب الدين دورًا محوريًا في قرطاج الفينيقية. إذ تزخر المدينة بالمعابد المخصصة لبعل آمون وتانيت، وهما إلهان مرتبطان بالخصوبة والشمس والحماية. ويحتوي موقع توفه، وهو موقع دفن مقدس، على جرار ولوحات تذكارية تشير إلى تقديم قرابين طقسية - وربما حتى تضحيات بالأطفال، وهو موضوع لا يزال يثير جدلًا أكاديميًا. فهذه الممارسات، على الرغم من جدلها تعكس الصلة الروحية العميقة التي كانت تربط القرطاجيين بآلهتهم وبيئتهم. كانت اللغة البونيقية، المشتقة من الفينيقية، شائعة الاستخدام، وخلّفت وراءها نقوشًا تُقدّم لمحات عن الحياة اليومية، والحكم، والمعتقدات الدينية. استمر هذا التراث اللغوي طويلًا بعد سقوط قرطاج الفينيقية، مؤثرًا على الهوية الثقافية للمنطقة لقرون.

ADVERTISEMENT
صورة بواسطة damian entwistle على wikipedia

قرطاج الرومانية: من الرماد إلى المجد الإمبراطوري

كانت الحروب البونيقية بين روما وقرطاج من أكثر الصراعات وحشية في العالم القديم. فبعد حملة هانيبال الأسطورية وسنوات من الحرب، دمّرت روما قرطاج أخيرًا عام 146 قبل الميلاد، ودمّرت المدينة وملحّت حقولها - وفقًا للأسطورة - لمنع نهضتها. لكن قصة قرطاج لم تنتهِ بعد. ففي عام 44 قبل الميلاد، اقترح يوليوس قيصر إعادة بناء قرطاج، وفي عهد الإمبراطور أغسطس، وُلدت المدينة من جديد باسم كولونيا جوليا قرطاج. برزت قرطاج الرومانية بسرعة كعاصمة لمقاطعة إفريقيا القنصلية، لتصبح واحدة من أغنى المدن وأكثرها نفوذاً في الإمبراطورية الرومانية الغربية. كان التحول الروماني لقرطاج مذهلاً بكل معنى الكلمة. إذ تميزت المدينة بمبانٍ عامة فخمة، بما في ذلك حمامات أنطونيوس الضخمة، التي لا تزال من أكبر مجمعات الحمامات الرومانية التي شُيّدت على الإطلاق. استضاف المدرج، الذي يتسع لما يصل إلى 30 ألف متفرج، ألعاب مصارعة وعروضاً عامة نافست تلك التي كانت تُقام في روما نفسها. كما زُيّنت الفيلات الرومانية في قرطاج بفسيفساء متقنة، لا يزال الكثير منها قائماً حتى اليوم، ويصور مشاهد من الأساطير والطبيعة والحياة اليومية. وجلب نظام القنوات، الممتد على مسافة 130 كيلومتراً، المياه العذبة من جبال زغوان، مستعرضاً الهندسة الرومانية في أبهى صورها. أصبحت قرطاج أيضاً مركزاً للمسيحية في بداياتها. فكانت المدينة موطناً لشخصيات مؤثرة مثل القديس كبريانوس والقديس أوغسطينوس، واستضافت العديد من المجامع الكنسية المهمة التي شكلت العقيدة المسيحية. وبُنيت الكنائس والبازيليكات فوق معابد وثنية قديمة، رمزًا للتطور الروحي للمدينة. لم تكن قرطاج الرومانية مجرد مدينة حجرية، بل كانت مدينة أفكار وإيمان وصمود. وتشهد آثارها اليوم على حضارة عرفت كيف تُعيد البناء والتكيف والازدهار.

ADVERTISEMENT
صورة بواسطة Calips على wikipedia

قرطاج العربية: أصداء عصر جديد

الغزو العربي :شكّلت غزوة شمال إفريقيا في القرن السابع الميلادي نقطة تحول أخرى في تاريخ قرطاج. ومع توسع الخلافة الأموية، ثم العباسية، غربًا، وقعت قرطاج تحت الحكم الإسلامي. ومع ذلك، تراجعت مكانة المدينة مع بروز تونس، التي تقع على بُعد بضعة كيلومترات فقط، كمركز سياسي واقتصادي جديد. وعلى الرغم من تراجع مكانتها، ظلت قرطاج موقعًا ذا أهمية استراتيجية وثقافية. إذ أعاد الحكام العرب توظيف الهياكل الرومانية والبيزنطية، ودمجوها في مبانٍ وتحصينات جديدة. عكست هذه الممارسة، المعروفة باسم سبوليا، كلاً من التطبيق العملي واحترام الماضي. فعادت الأعمدة والأحجار والفسيفساء من العصور السابقة إلى الحياة في المساجد والقصور وأسوار المدينة. تكشف النقوش والسيراميك العربية المكتشفة في الموقع عن مرحلة نابضة بالحياة، وإن كانت أكثر هدوءًا، من تاريخ قرطاج. كانت المدينة بمثابة نقطة انطلاق للعلماء والتجار والحجاج، وحُفظ إرثها في كتابات مؤرخين مثل البكري وابن خلدون. أبقت هذه الروايات ذكرى قرطاج حية، حتى مع انكماش بصمتها المادية. كما أدخل العصر العربي أنماطًا معمارية جديدة ومفاهيم تخطيط حضري جديدة، امتزجت بسلاسة مع بقايا التصميم الروماني والبونيقي. وخلق هذا الاندماج جمالية فريدة لا تزال آثارها واضحة في المشهد الثقافي للمنطقة. يبدو الإرث العربي لقرطاج اليوم أقل وضوحًا من نظيره الروماني والفينيقي، لكنه لا يزال فصلًا أساسيًا في تاريخ المدينة. يُذكرنا بأن التاريخ لا يقتصر على الغزو والانهيار، بل يتعلق بالاستمرارية والتكيف والروح الإنسانية الخالدة.

أكثر المقالات

toTop