في إنجازٍ هام للصحة العامة العالمية، أعلنت منظمة الصحة العالمية رسمياً خلو مصر من الملاريا في عام ٢٠٢٤. يُمثل هذا الاعتراف تتويجاً لمعركةٍ استمرت قرناً من الزمان ضد أحد أكثر الأمراض فتكاً واستمراراً في العالم. لا يُعدُّ هذا الاعتماد شهادةً على صمود مصر وتخطيطها الاستراتيجي في مجال الصحة فحسب، بل يُعدُّ أيضاً نموذجاً قوياً للجهود الوطنية والدولية المُنسَّقة. الملاريا، المرض الذي أودى بحياة مئات الآلاف في مصر وملايين الأشخاص حول العالم، قد تم القضاء عليه أخيراً من الأراضي المصرية. تتناول هذه المقالة تاريخ الملاريا في العالم وفي مصر، وعوامل انتشارها، وأضرارها، وتاريخ مكافحتها، والتقدُّم المُحرز في استئصالها، ومعايير القضاء على هذا الداء، والتعاون الدولي في هذا المجال.
قراءة مقترحة
تُبتلى البشرية منذ آلاف السنين بالملاريا التي تُسببها طفيليات البلازموديوم (Plasmodium) التي تنتقل عبر بعوض الأنوفيلة (Anopheles). تحتوي النصوص الطبية الصينية القديمة (حوالي 2700 قبل الميلاد) والبرديات المصرية (حوالي 1550 قبل الميلاد) على أوصاف تُشبه أعراض الملاريا. تزامن انتشار المرض عالمياً مع التجارة والحروب والاستعمار، ليصبح وباءً في المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية.
247 مليون إصابة و619,000 وفاة
هذا هو العبء العالمي التقديري للملاريا في عام 2021 وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، مع تمركز 95% من الحالات في أفريقيا.
ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، تسببت الملاريا في ما يُقدَّر بنحو 247 مليون حالة إصابة و619,000 حالة وفاة عالمياً في عام 2021، حيث تُمثل أفريقيا 95% من الحالات. وقد بدأت الاكتشافات العلمية في القرن العشرين، بما في ذلك اكتشاف الكينين (quinine) والعلاجات القائمة على الأرتيميسينين (artemisinin) لاحقاً، في الحد من انتشاره، إلا أن القضاء عليه لا يزال بعيد المنال بالنسبة للعديد من الدول.
كانت الملاريا مستوطنة في جميع أنحاء مصر، وخاصة في دلتا النيل وواحة الفيوم وصعيد مصر. تصف السجلات التاريخية من القرن التاسع عشر أوبئة متكررة دمَّرت المجتمعات. وتشير السجلات الاستعمارية البريطانية في أوائل القرن العشرين إلى ارتفاع معدلات الإصابة، وخاصة في المناطق الزراعية حيث أصبحت قنوات الري بيئات خصبة للبعوض.
بحلول منتصف القرن العشرين، سجَّلت مصر عشرات الآلاف من الحالات سنوياً. في عام ١٩٤٧ وحده، كان هناك أكثر من ٣٠ ألف حالة موثقة، تركّز الكثير منها في المحافظات الريفية مثل أسوان وقنا.
ساهمت عدة عوامل مترابطة في الانتشار التاريخي للملاريا في مصر:
وفّر حوض النيل ودرجات الحرارة الدافئة وشبكات الري الواسعة مواطن مثالية لتكاثر البعوض الناقل للملاريا.
ساهمت زراعة الأرز وركود المياه في قنوات الري في تكثيف تكاثر البعوض ورفع احتمالات انتقال العدوى.
ساهمت هجرة العمالة الموسمية في نقل الطفيلي بين الأقاليم وتوسيع نطاق الخطر الوبائي.
عانت المناطق الريفية في أوائل القرن العشرين من نقص الخدمات الطبية وضعف الوعي العام، ما أعاق التشخيص والوقاية المبكرين.
كانت حصيلة الملاريا فادحة. فقد تسبّبت في ارتفاع معدل الوفيات بين الأطفال والنساء الحوامل، وأضعفت إنتاجية البالغين.
| الجانب | المعلومة | الأثر |
|---|---|---|
| الأثر الصحي | معدلات وفيات سنوية بين 1% و5% قبل انتشار العلاج المضاد للملاريا | ارتفاع الخطر على الأطفال والنساء الحوامل |
| التكاليف الاقتصادية | أكثر من ١٥ مليون دولار سنوياً في ١٩٥٥ | خسائر كبيرة في الإنتاج الزراعي بسبب التغيب عن العمل |
| العبء الاجتماعي | تعطل التعليم في المناطق الريفية أثناء الأوبئة | انتشار الخوف والوصمة المرتبطة بالمرض |
_______________________________________
بدأت مصر أولى جهودها المنظمة لمكافحة الملاريا في عشرينيات القرن الماضي. ومع ذلك، لم تُطَلق حملة وطنية لمكافحة الملاريا تحت إشراف وزارة الصحة إلا في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، وذلك مع التطورات الرئيسية التالية:
إنشاء قسم لمكافحة الملاريا لتنسيق الجهود المؤسسية على مستوى الدولة.
رش واسع النطاق لمبيد دي.دي.تي ضمن حملات السيطرة على البعوض الناقل.
إدخال علاج الكلوروكين ورسم خرائط النواقل لتحسين التشخيص والاستجابة.
تأهيل فرق الريف على تشخيص الملاريا والوقاية منها لتوسيع الاستجابة الميدانية.
على الرغم من هذه الجهود، ثبت أن القضاء التام على المرض صعب حتى ظهرت ابتكارات لاحقة.
منذ سبعينيات القرن الماضي فصاعداً، تحولت مصر نحو نهج قائم على المراقبة ومُحدَّد لكل منطقة. شملت أهم التحولات السياسية ما يلي:
• ١٩٧٨: إطلاق البرنامج الوطني للقضاء على الملاريا، مع التركيز على الفيوم وصعيد مصر.
• ١٩٨٥: شراكة مع منظمة الصحة العالمية والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية للقضاء على نواقل الأمراض.
• ٢٠٠١-٢٠١٠: دمج خرائط نظم المعلومات الجغرافية والتصوير بالأقمار الصناعية لرصد انتشار البعوض ومواطنه.
• 2015: اعتماد الاستراتيجية التقنية العالمية لمنظمة الصحة العالمية لمكافحة الملاريا 2016-2030.
تتماشى هذه الاستراتيجيات مع إصلاحات الصحة العامة الأوسع في مصر وخطط الإدارة البيئية.
كان النجاح مذهلاً. من أكثر من 10000 حالة سنوياً في الخمسينيات من القرن الماضي، سجَّلت مصر أقل من 10 حالات محلية سنوياً بعد عام 2000. ومنذ عام 2014، لم تُسجِّل مصر أي حالات منقولة محلياً، وهو ما يُلبّي تعريف منظمة الصحة العالمية للقضاء على المرض.
أكثر من 10000 حالة سنوياً في الخمسينيات، مع عبء محلي واضح في عدة مناطق.
أقل من 10 حالات محلية سنوياً بعد عام 2000، ومنذ 2014 لم تُسجل أي حالات منقولة محلياً.
أبرز البيانات:
• 2010-2024: فحص أكثر من 2,5 مليون عينة دم، ولم تُسجل أي حالات محلية مؤكدة منذ عام 2014.
• تغطية أكثر من 90% من المنازل بالناموسيات المعالجة بالمبيدات الحشرية في المناطق الموبوءة تاريخياً.
• انخفاض بنسبة 98% في كثافة يرقات البعوض في شبكات القنوات (وفقاً لتقرير وزارة الصحة لعام 2023).
للتأهل للحصول على الشهادة، كان على مصر استيفاء معايير منظمة الصحة العالمية الصارمة التالية:
عدم انتقال محلي للمرض لمدة 3 سنوات متتالية على الأقل.
وجود مراقبة عالية الجودة واستجابة سريعة للحالات المشتبه بها والمؤكدة.
توثيق كامل لبروتوكولات الوقاية والعلاج داخل النظام الصحي.
إجراء زيارات ميدانية ومراجعة سجلات المختبرات وبيانات الحشرات وعمليات تدقيق النظام الصحي بواسطة خبراء دوليين.
تم استيفاء جميع المعايير بحلول عام ٢٠٢٤.
لعب الشركاء العالميون دوراً حاسماً في نجاح مصر:
• قدمت منظمة الصحة العالمية التوجيه الفني وعمليات تدقيق الأداء
• دعمت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ومراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها التشخيص ودراسات النواقل والتدريب.
• قدمت اليونيسف ناموسيات معالجة بالمبيدات الحشرية ومواد تعليمية.
• استثمر الصندوق العالمي أكثر من ٢٠ مليون دولار أمريكي بين عامي ٢٠٠٣ و٢٠١٣ لمكافحة الملاريا والأمراض الطفيلية.
كانت هذه الجهود حاسمة في الحفاظ على المكاسب، لا سيما في المناطق التي يصعب الوصول إليها.
شهادة منظمة الصحة العالمية وبيانها.
في أكتوبر 2024، أعلن المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، الدكتور تيدروس أدهانوم غيبريسوس (Tedros Adhanom Ghebreyesus)، عن حصول مصر على شهادة خلوها من الملاريا، قائلاً: "يُعدّ خلو مصر من الملاريا إنجازاً بارزاً في مجال الصحة العامة. وهو يعكس قوة الإرادة السياسية المستدامة، والمشاركة المجتمعية، والتضامن الدولي. تنضم مصر الآن إلى مجموعة متنامية من الدول التي تُثبت إمكانية دحر الملاريا."
تُصبح مصر ثالث دولة في إقليم شرق المتوسط تُمنح شهادة خلوها من الملاريا، لتنضم بذلك إلى الإمارات العربية المتحدة والمغرب.
يُعدّ حصول مصر على شهادة خلوها من الملاريا إنجازاً تاريخياً نتج عن العلم والسياسات والمثابرة. لم تكن الرحلة من المرض المتوطن إلى القضاء عليه خطية، بل اتسمت بعقود من التجارب والمآسي والانتصارات. تُقدم تجربة مصر أملاً ونموذجاً يُحتذى به للدول الأخرى التي تعاني من الملاريا والتي تسعى جاهدة لتحقيق النتيجة نفسها. ومع انتقال مصر من مرحلة القضاء على الأنواع إلى مرحلة منع إعادة إدخالها، فإن التحدي القادم الذي تواجهه يتمثل في الحفاظ على اليقظة في ظل تغير المناخ وحركة السكان على مستوى العالم.