يواجه الأردن، البلد الواقع على مفترق طرق بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، مجموعة من التحديات البيئية المُلحة التي تُهدد تراثه الطبيعي، وصحته العامة، واستقراره الاقتصادي على المدى الطويل. في مواجهة تغير المناخ، وندرة المياه، والتلوث، ينهض جيل جديد للعمل. ومن بين أكثر الاستجابات الشبابية ابتكاراً مبادرة السوسن الأخضر، وهي منصة تدمج الفن والنشاط بشكل إبداعي لرفع مستوى الوعي ودفع عجلة الحلول البيئية المجتمعية. يستكشف هذا المقال مبادرة السوسن الأخضر في السياق الأوسع لجغرافية الأردن وتاريخه وسياساته البيئية، ويُسلّط الضوء على دور الشباب في بناء مستقبل أكثر اخضراراً.
قراءة مقترحة
٩١٪
من سكان الأردن كانوا يعيشون في المناطق الحضرية بحلول عام ٢٠٢٣، ما يفسر تصاعد الضغط على البيئة والموارد الطبيعية، وخاصة المياه.
انبثق الأردن الحديث من الشرق الأوسط ما بعد العثماني تحت الانتداب البريطاني عام ١٩٢١، ونال استقلاله عام ١٩٤٦. ومنذ ذلك الحين، لعبت المملكة الهاشمية دوراً محورياً في الجغرافيا السياسية الإقليمية، وشهدت توسعاً حضرياً ونمواً سكانياً سريعاً، لا سيما بعد موجات متتالية من اللاجئين من فلسطين والعراق وسوريا. وبحلول عام ٢٠٢٣، تجاوز عدد سكان الأردن ١١ مليون نسمة، يعيش حوالي ٩١٪ منهم في المناطق الحضرية (البنك الدولي، ٢٠٢٣). وقد أدّى هذا التحول الديموغرافي إلى تفاقم الضغط على البيئة والموارد الطبيعية، وخاصة المياه.
تتوزع جغرافية الأردن بين ثلاث مناطق رئيسية، ويُظهر هذا التنوع كيف تجتمع البيئات الزراعية والحضرية والصحراوية داخل بلد واحد محدود الموارد المائية.
| المنطقة | أبرز المواقع | السمة البيئية |
|---|---|---|
| وادي الأردن | نهر الأردن والبحر الميت | منطقة مائية وزراعية شديدة الحساسية |
| المرتفعات الوسطى | عمّان وإربد والزرقاء | مركز الكثافة السكانية والتمدن |
| الهضبة الصحراوية الشرقية | الامتداد الصحراوي الشرقي | بيئة جافة واسعة وقليلة الأمطار |
يتميز الأردن بمناخ جاف إلى حد كبير، حيث تُصنف أكثر من 80% من أراضيه كصحراء. ويبلغ متوسط
هطول الأمطار السنوي أقل من 200 ملم في معظم المناطق. وعلى الرغم من جماله الطبيعي، بما في ذلك محمية ضانا للمحيط الحيوي ووادي رم، فإن النظم البيئية الهشة في الأردن معرضة بشدة للنشاط البشري وتغير المناخ.
يُعد الأردن ثاني أكثر دول العالم ندرة في المياه، حيث يقل نصيب الفرد من المياه المتاحة عن 100 متر مكعب سنوياً، وهو أقل بكثير من خط الفقر المائي الدولي البالغ 500 متر مكعب سنوياً (منظمة الأغذية والزراعة، 2022).
تتداخل أزمة المياه مع التلوث وتدهور الأراضي وفقدان التنوع الحيوي وتغير المناخ، ما يجعل الضغوط البيئية في الأردن مترابطة لا منفصلة.
تنشأ من انخفاض الهطول، والإفراط في استخدام المياه الجوفية، وعدم كفاءة الري، مع فجوة واضحة بين الطلب والعرض.
يتجلى في تلوث الهواء الحضري، وسوء إدارة النفايات الصلبة، وتلوث المياه، خاصة في عمّان والزرقاء.
يسهم الرعي الجائر وإزالة الغابات والزراعة غير المستدامة في تسارع التصحر واستنزاف التربة.
تؤدي الضغوط المناخية وتدمير الموائل إلى تهديد النباتات والحيوانات المحلية وتفاقم بقية الأزمات البيئية.
تتفاقم هذه المشكلات بسبب التوسع الحضري السريع وضغط استضافة اللاجئين الذين يزيد عددهم حالياً عن 1.3 مليون سوري (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، 2023).
نفذت الحكومة الأردنية سياسات مثل:
• الاستراتيجية الوطنية للمياه (2016-2025)،
• خطة النمو الأخضر (2017)،
• وشراكات مع الاتحاد الأوروبي، والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، والوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ) لمشاريع الطاقة المتجددة والمياه.
مع ذلك، لا تزال هناك فجوات في التنفيذ بسبب محدودية التمويل، وعدم كفاءة الإجراءات البيروقراطية، وعزوف الجمهور.
في هذا الصدد، تلعب المبادرات الشعبية والشبابية دوراً حاسماً. من بينها، تتميز مبادرة السوسن الأخضر بنموذجها الإبداعي والتشاركي.
بدأت المبادرة في عمّان عام ٢٠٢٢، ثم توسعت عبر فريق شبابي متعدد الخبرات ومشاركة متزايدة من الطلبة في مختلف المناطق.
أُطلقت مبادرة السوسن الأخضر على يد طلاب جامعات ومهنيين شباب لإشراك الجمهور في الأزمة البيئية عبر الفن ورواية القصص.
انطلقت خلال تحد ابتكاري جامعي ركز على العمل المناخي، مع دعم منظمات محلية ومؤسسات رسمية.
تكوّن الفريق المؤسس من مهندسة بيئية وفنانة تشكيلية، وممثل وناشط مناخي، وخبيرة في حشد الشباب.
شارك أكثر من ١٢٠٠ شاب وشابة من عمّان ومناطق أقل حظاً مثل المفرق والكرك في أنشطة المبادرة.
أُطلقت مبادرة السوسن الأخضر عام ٢٠٢٢ على يد مجموعة من طلاب الجامعات والمهنيين الشباب في عمّان، سعياً منهم لإشراك الجمهور في الأزمة البيئية في الأردن من خلال الفن ورواية القصص. يرمز اسم "السوسن الأخضر" إلى الزهرة الوطنية للأردن - السوسن الأسود - ورؤية وطن أكثر خضرة واستدامة.
انطلقت المبادرة خلال تحدٍ ابتكاري بقيادة جامعة، ركّز على العمل المناخي، بدعم من منظمات غير حكومية محلية ومؤسسات مثل الصندوق الأردني الهاشمي للتنمية البشرية (جهد) ووزارة البيئة.
المؤسسون والمشاركون.
يضم الفريق المؤسس لمبادرة "السوسنة الخضراء" كلاً من:
• سارة قاسم الحسن، مهندسة بيئية وفنانة تشكيلية،
• محمود الزعبي، ممثل مسرحي وناشط في مجال المناخ،
• ليلى الخطيب، خبيرة في حشد الشباب.
يتكون المشاركون بشكل رئيسي من طلاب المدارس الثانوية والجامعات من جميع أنحاء الأردن، بما في ذلك المناطق الأقل حظاً مثل المفرق والكرك. وبحلول عام ٢٠٢٤، شارك أكثر من ١٢٠٠ شاب وشابة في أنشطة "السوسنة الخضراء".
تعمل مبادرة السوسن الأخضر بنهج متعدد التخصصات يجمع بين:
• أعمال فنية تركيبية عامة: جداريات وعروض شوارع تتناول موضوعات الحفاظ على المياه، وتلوث البلاستيك، والتنوع البيولوجي.
• ورش عمل وأنشطة تعليمية: دورات تدريبية في المدارس حول الحد من النفايات، وإعادة التدوير، والزراعة المستدامة.
• حملات تنظيف مجتمعية: فعاليات في عمان والزرقاء وإربد لتنظيف الأماكن العامة والحدائق.
• حملات رقمية: محتوى على إنستغرام وتيك توك ويوتيوب يصل إلى أكثر من 50,000 متابع (تقرير السوسن الأخضر، 2024).
• مناصرة السياسات: يتفاعل ممثلو الشباب مع المجالس البلدية ويساهمون في الاستراتيجيات البيئية المحلية.
• يتم تمويل مبادرة السوسن الأخضر من خلال التمويل الجماعي، ومنح الشباب من الاتحاد الأوروبي، والشراكات مع الجمعية العلمية الملكية الأردنية واليونيسف.
تُظهر النتائج المعلنة أن المبادرة حققت أثراً تعليمياً وسلوكياً ومؤسسياً، من المدارس إلى الجامعات والفضاءات الإقليمية.
كان استخدام البلاستيك الأحادي في المدارس المشاركة أعلى، وكانت فرص التدريب البيئي والسرد الرقمي محدودة، كما كان حضور الفن البيئي في التعليم الجامعي أقل وضوحاً.
سُجل خفض بنسبة 30٪ في ثلاث مدارس، وتدرب أكثر من 600 شاب وشابة، وشاركت المبادرة إقليمياً، وأُطلق تعاون جامعي حول الفن البيئي والمشاركة المدنية.
• خفض استهلاك البلاستيك أحادي الاستخدام بنسبة 30% في ثلاث مدارس مشاركة في برامج تجريبية لإدارة النفايات (جرين أيريس، 2024).
• تدريب أكثر من 600 شاب وشابة على سرد القصص البيئية والدعوة الرقمية.
• قيادة مشاركة الأردن في المؤتمر الإقليمي "شباب من أجل الطبيعة" في بيروت، 2023.
• الشراكة مع جامعة البترا لإطلاق مقرر اختياري حول الفن البيئي والمشاركة المدنية.
تسعى المبادرة إلى التعاون مع ناشطين شباب فلسطينيين ولبنانيين لتبادل الخبرات وتوسيع أثرها خارج الأردن.
تعمل على تطوير مختبرات فنية متنقلة موجهة إلى مخيمات اللاجئين والمناطق الريفية.
تهدف إلى إطلاق أول مهرجان للفنون البيئية في الأردن بحلول عام 2026.
تطور تطبيقاً جوالاً لرسم خريطة القضايا البيئية المحلية باستخدام البيانات الجماعية والتقارير الفنية.
تخطط المبادرة للتوسع إقليمياً، والتعاون مع ناشطين شباب فلسطينيين ولبنانيين، وتطوير مختبرات فنية متنقلة لمخيمات اللاجئين والمناطق الريفية. وتهدف إلى إطلاق أول مهرجان للفنون البيئية في الأردن بحلول عام 2026.
كما تعمل مبادرة "السوسنة الخضراء" على تطوير تطبيق جوال لرسم خريطة للقضايا البيئية المحلية باستخدام بيانات جماعية وتقارير فنية، مما يساعد على ربط المعرفة الشعبية بأطر السياسات الوطنية.
إن التحديات البيئية التي يواجهها الأردن مُعقّدة وملحة، ولكنها ليست مستعصية على الحل. ورغم أهمية الاستراتيجيات الوطنية، فإن دور المشاركة المدنية - وخاصةً من جانب الشباب - لا غنى عنه. تُجسّد مبادرة "السوسنة الخضراء" كيف يمكن دمج الإبداع والمجتمع والنشاط في قوة دافعة للتغيير. وفي ظلّ معاناة المنطقة من تغيّر المناخ، فإن هذه المبادرات لا تُعزز المرونة البيئية فحسب، بل تُعزز أيضاً التماسك الاجتماعي، والنهضة الثقافية، والتمكين الاقتصادي.